بالانتقال إلى مشاهد من الأردن، نجد أرقاماً مؤلمة. وفق التقرير السنوي لإدارة البحث الجنائي الأردنية، أنهى مئة وستة وستين شخصاً حياتهم في الأردن خلال العام الماضي. والأكثر إيلاماً أن من بينهم ثلاث وعشرون حالة لأشخاص دون سن الثامنة عشرة، من بينهم خمسة أطفال تقل أعمارهم عن خمس عشرة سنة. من بين الضحايا أطفال لا تتجاوز أعمارهم الثانية عشرة أو الثالثة عشرة، لا نعرف تفاصيل قصصهم كاملة، لكننا نعرف أنهم كانوا في مرحلة كان من المفترض أن تكون مليئة باللعب والأحلام، لا باليأس والقرار النهائي.
قصة روضة مصطفى، طالبة الطب على أبواب التخرج من الجامعة الأردنية، ألقت بنفسها من مكان مرتفع. رغم أنها كانت قد راجعت الإرشاد النفسي، قيل لها أن تنتظر حتى بعد عطلة العيد. تركت وصية مؤثرة طلبت فيها التبرع بأعضائها، كأنها أرادت أن تمنح الحياة للغير بعد أن يئست منها لنفسها. وحالة ميرونا عصفور، الطبيبة التي ألقت بنفسها بسبب تراكم ضغوط العمل وفقدان والدتها خلال جائحة كورونا. في اليوم نفسه الذي أنهت فيه ميرونا حياتها، سُجّلت حالتا انتحار لشابين في محافظة إربد، كان يوماً أسود بامتياز. ومن المهم هنا أن ننتبه إلى ضرورة تجنب ذكر وسائل أو أماكن محددة للانتحار تفادياً للتقليد، وفق ما توصي به منظمة الصحة العالمية للنشر المسؤول.
أما على الصعيد الديني والأخلاقي، فالانتحار في الإسلام هو أن يقتل الإنسان نفسه عمداً، وهو جريمة ومعصية من أكبر الكبائر، محرَّمة بالإجماع. يقول الله تعالى: (وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا)، ويقول النبي صلى الله عليه وسلم "من قتل نفسه بشيء عذب به يوم القيامة". غير أن العلماء يؤكدون أن المنتحر لا يُحكم بكفره إذا كان مسلماً يصلي موحداً لله، ولكنه ارتكب كبيرة من الكبائر، وهو تحت مشيئة الله. وعندما يرتفع معدل الانتحار في المجتمعات العربية، فإن ذلك يشوّه صورة دين يدعو إلى الحياة والأمل. وهذه مسؤولية كبرى على العلماء والدعاة لتقديم خطاب متوازن، لا ترهيب يدفع إلى اليأس، ولا تهاون يستهين بحرمة النفس.