في العادة يلجأ السياسيون إلى تخويف الناس من أجل السيطرة، لكن الأمر في الأردن مختلف، فلا يخلو خطاب لجلالة الملك من التطمين والتأكيد على قوة الأردن ومنعته رغم جسامة الأخطار في منطقتنا.
الطمأنة الملكية مهمة جدًا لأنها تأتي على شكل تعهد بديمومة الاستقرار رغم الظروف، وهي تمثل في جوهرها انعكاسًا لرصانة سياسية وحكمة عميقة، وتجلياً لجدارة أجهزة الدولة المعنية سواء في الشأن الداخلي أو السياسة الخارجية على مدى عمر الدولة الأردنية الحديثة.
المميز في هذا الخطاب هو أنه طرح بعدًا مهمًا في الحالة الأردنية ويتمثل في تأكيد أن ما نعيشه من استقرار اليوم هو امتداد لقوة الممالك والحضارات التي قامت على الأرض الأردنية، إذ قال جلالته: "وعلى أرض الأردن عاشت حضارات.. قدمت للعالم دروسا في المنعة والصمود، فعلمتنا كيف نسعى ونحول الصعاب إلى فرص"، وهذا تجذير لمفهوم الاستقرار باعتباره امتدادًا لتاريخ عمره الاف السنين.
الأردنيون اليوم يحتاجون إلى سماع قصة وطنهم من آلاف السنين، خصوصًا بعد أن عملت بعض التيارات السياسية على تشويه التاريخ والتعتيم عليه قصدًا لأهداف سياسية يطول شرحها. أقصد أن الأردنيين يشعرون اليوم بانتصار روايتهم بعد انتهاء معظم المشاريع الخارجية التي كانت تسعى لفرض أجنداتها على الخارطة السياسية الأردنية.
هناك جيل جديد من الشباب نشأ وترعرع بعيدًا عن تشويش الأيدولوجيات التي انتشرت في المنطقة منذ الخمسينيات، جيل يؤمن بأن الأردن قصة يجب أن تروى، لا أن يمارس عليها الإيثار السياسي مجاملة لذلك التيار أو ذاك؛ الجيل الذي بدأنا نراه، أبناؤه يحتفلون بكثافة في الشوارع منذ عدة سنوات ليعبروا عن تعلقهم بوطنهم وبهويتهم الأردنية.
الملك يثبت دائمًا أنه قريب من الناس ويفهم توجهاتهم بعمق، فاستدعاء تاريخ عمره الاف السنين في حفل الاستقلال يربت على كتف الأردنيين الذين يسعون لتعظيم الهوية الوطنية الأردنية وسماتها الممتدة على مدى قرون.
قرب الملك من الأردنيين مدعاة للاطمئنان، وارتباط الأردنيين بأرضهم من باب اعتزازهم بتاريخهم مؤشر مناعة أيضًا؛ لذلك فإن ما نراه اليوم من إلمام ملكي وتغيرات شعبية إيجابية يحتمان على مسؤولي الدولة التحرك لتثبيت الانجاز والبناء عليه لمستقبل أفضل.