في منطقة غور المزرعة بالأغوار الجنوبية، كانت إحدى الأمهات تعيش مع أطفالها تحت وطأة القلق بعد تراكم إيجار المنزل وعجزها عن الوفاء بالالتزامات المترتبة عليها، لتصبح مهددة بفقدان مسكنها وما يرافق ذلك من اضطراب لحياة الأسرة واستقرار الأطفال الدراسي والنفسي.
تقول احدى السيدات المستفيدات، إن التدخل الذي قدمته جمعية "رواد الخير" عبر برنامج إدارة الحالة أسهم في تسديد جزء من الإيجار، ومنح أسرتها فرصة للاستمرار في منزلها، مؤكدة أن الدعم جاء في وقت كانت العائلة تمر فيه بظروف اقتصادية بالغة الصعوبة.
وتعكس هذه القصة جانبا من الجهود التي تنفذها جمعية "رواد الخير" في مناطق الأغوار الجنوبية بدعم من منظمة طفل الحرب (War Child)، من خلال مشروع "أماني" للعامين 2025-2026، والذي يهدف إلى تعزيز الحماية والدعم النفسي والاجتماعي وتحسين الظروف المعيشية للأطفال والأسر الأكثر احتياجا.
وجاء تنفيذ المشروع بعد دراسات وتقييمات ميدانية أجريت خلال عامي 2022 و2023، أظهرت وجود احتياجات إنسانية واجتماعية ملحة في المنطقة، الأمر الذي دفع إلى تطوير برامج متخصصة بالشراكة مع الجهات الحكومية والجمعيات المحلية لخدمة المجتمع المحلي.
وأوضح ميسر جلسات الحماية محمد العجلي، أن البرنامج يتضمن مسارين رئيسيين؛ الأول مخصص للأطفال تحت عنوان "Team Up"، والثاني لمقدمي الرعاية من الرجال والسيدات تحت عنوان "Be There"، مشيرا إلى أن كوادر الجمعية تلقت تدريبات متخصصة من منظمة طفل الحرب قبل البدء بتنفيذ هذه البرامج.
وأضاف أن جلسات الأطفال تركز على تنمية المهارات الاجتماعية وتعزيز القدرة على بناء الصداقات الصحية والتعامل مع التنمر والتحديات اليومية داخل المدرسة وخارجها، فيما تستهدف جلسات مقدمي الرعاية تعزيز مهارات التربية الإيجابية وإدارة الضغوط وتحسين العلاقات الأسرية.
وبين أن نحو 70 طفلا استفادوا من جلسات الأطفال، إلى جانب قرابة 100 من مقدمي الرعاية، بينهم رجال وسيدات، مؤكدا أن الإقبال المتزايد على البرنامج أدى إلى وجود قوائم انتظار، في ظل محدودية الأنشطة والمساحات الآمنة المخصصة للأطفال في المنطقة.
وفي جانب التدخلات الإنسانية المباشرة، أوضح الأخصائي الاجتماعي ومدير الحالة في الجمعية، سليمان شعرات، أن العمل يستهدف الأطفال والأسر الأكثر هشاشة في مناطق غور المزرعة وغور الحديثة وغور ذراع وغور إحسان، التي يقطنها نحو 30 ألف نسمة.
وأشار إلى أن قسم إدارة الحالة يتعامل مع حالات متعددة تشمل الأطفال المعرضين للإهمال أو الإساءة والتنمر، والأطفال المنقطعين عن الدراسة، إضافة إلى الحالات التي تحتاج إلى تدخلات صحية أو دعم اجتماعي متخصص.
وأكد أن الجمعية نفذت تدخلات مباشرة تمثلت في تأمين نظارات طبية وسماعات للأطفال، والمساهمة في دفع إيجارات أسر مهددة بفقدان مساكنها، وإعادة أطفال إلى مقاعد الدراسة، فضلا عن دعم بعض الأسر لإنشاء مشاريع صغيرة توفر مصدر دخل مستدام يساعدها على تلبية احتياجات أبنائها.
ولفت إلى أن الجمعية تقوم أيضا بتحويل الحالات التي تحتاج إلى خدمات علاجية أو تأهيلية متخصصة إلى الجهات المعنية، مع الاستمرار بمتابعة أوضاعها بشكل دوري لضمان حصولها على الدعم المناسب.
من جانبها، قالت إحدى المتطوعات العاملات في المشروع المتطوعة ياسمين دغيمات، إن أثر جلسات الدعم النفسي بدا واضحا على السيدات المشاركات، خصوصا فيما يتعلق بتحسين أساليب التعامل مع الأطفال وإدارة الغضب والضغوط اليومية.
وأضافت أن العديد من الأمهات بدأن بتطبيق المهارات التي اكتسبنها خلال الجلسات داخل أسرهن، ما انعكس إيجابا على العلاقة مع الأطفال وعلى الأجواء الأسرية بشكل عام، مؤكدة أن التجربة تركت أثرا إيجابيا عليها شخصيا أيضا.
وأعربت عن أملها في توسيع نطاق البرنامج ليشمل أعدادا أكبر من السيدات والأطفال، وزيادة الأنشطة المقدمة بما يلبي احتياجات المجتمع المحلي.
بدورها، أوضحت ميسرة الحماية في مشروع "أمانة"،حمدة دغيمات،إن الجلسات المخصصة للأمهات تركز على تقديم الدعم النفسي والاجتماعي للنساء اللواتي يواجهن ضغوطا اقتصادية واجتماعية مختلفة، من خلال أنشطة وتدريبات تساعد على إدارة التوتر والغضب وتعزيز الصحة النفسية.
وأضافت أن البرنامج يعمل كذلك على تعزيز العلاقة الإيجابية بين الأم والطفل وتشجيع الأمهات على قضاء وقت نوعي مع أبنائهن، مشيرة إلى أن نحو 47 أما و50 طفلا استفادوا من هذه الأنشطة حتى الآن.
وتروي مستفيدة اخرى جانبا من أثر البرنامج على أسرتها، مؤكدة أن الجمعية ساعدتها في متابعة الحالة الصحية لطفلتيها وتأمين الفحوصات الطبية والنظارات اللازمة لهما، إضافة إلى استمرار المتابعة والدعم.
أما المستفيدة (ر)، فتؤكد أن مشاركتها في البرنامج ساعدتها على مواجهة التحديات الاقتصادية التي تعيشها في ظل محدودية مصادر الدخل واعتمادها على المساعدات الاجتماعية.
وبين قصص الدعم النفسي والتدخلات الإنسانية، يواصل شباب وشابات الأغوار الجنوبية من خلال جمعية "رواد الخير" جهودهم لبناء بيئة أكثر أمانا للأطفال والأسر، مؤكدين أن الاستثمار في الإنسان وتعزيز قدرته على مواجهة التحديات يمثلان خطوة أساسية نحو تنمية مجتمعية مستدامة في منطقة ما تزال بحاجة إلى المزيد من الخدمات والفرص التنموية.