ومع تقدم الزمن والتقنيات وتغير البيئة المجتمعية في الأردن، يبدو أن المدن الأردنية لم تعد تنتج طبقتها المثقفة بالزخم نفسه الذي عرفته الأجيال السابقة، وأصبح الحديث عن النخب الثقافية الجديدة أقل حضوراً مما كان عليه قبل عقود، وهو ما يوجب على مؤسسات الدولة التفكير بهذه الأزمة الصامتة، والتي لا يبدو أنها تثير القلق عند مستويات القرار المختلفة.
لا يبدو أن هذا التراجع تتعلق بتراجع الذكاء أو المواهب أو القدرات الفردية للأردنيين في مدنهم وقراهم، بل يبدو أنه انعكاس مؤلم لتحولات أعمق أصابت المدينة نفسها، حيث تمت إعادة تشكيل علاقة المدينة بالثقافة والمعرفة والفضاء العام.
في الماضي، كانت المدينة الأردنية تمتلك ما يمكن وصفه بـ"البنية التحتية للثقافة". فالمكتبة العامة كانت جزءاً من الحياة اليومية، والصحيفة الورقية كانت نافذة رئيسة للأردنيين على العالم، والندوات الفكرية كانت تجذب جمهوراً واسعاً، بينما شكلت المدارس الحكومية والجامعات فضاءات للجدل الفكري وتبادل الأفكار، وكان المثقف يكتسب مكانته من دوره في إنتاج المعرفة وتفسير الواقع وقيادة النقاش العام.
أما اليوم، فقد تغيرت البيئة التي نشأ فيها ذلك النموذج الثقافي التعلمي، فالثقافة لم تعد مرتبطة بالمكان بالمعنى التقليدي، حيث استطاعت الإنترنت ومنصات التواصل الاجتماعي إلغاء الحدود الجغرافية، وأصبح الوصول إلى المعلومة والمعرفة متاحاً للجميع تقريباً دون الحاجة إلى المرور بالمؤسسات الثقافية التقليدية، ورغم أن هذا التطور زاد فرص الوصول إلى المعلومات، إلا أنه أضعف في الوقت نفسه دور المدينة كمركز لإنتاج الثقافة المحلية، وأدى إلى تراجع القراءة كأساس للمعرفة، وتحول الأردني إلى كائن سمعي لا كائن قرائي، ولم يستطع السمع أن يملأ فراغ الحرف المكتوب، وفقد النخبة دورها لمصلحة الشعبوي، وفقد المثقف دوره لمصلحة "المؤثرين".
ويبدو أن المثقف الأردني قرر الانكفاء وعدم الاشتباك الإيجابي مع التحدي الجديد الذي فرضه التقدم واختار المثقف ركناً معتماً لا يتفاعل من موقعه هذا مع ما يحدث من تغير في المجتمع واكتفى بدور الناقد العارف الضحية لعملية التقدم الرأسمالي الغاشم.
كما لعبت التحولات الاقتصادية دوراً مهماً في هذا التغير، فالأجيال السابقة كانت تمتلك هامشاً زمنياً يسمح بالمشاركة في الأنشطة الثقافية والفكرية، بينما يعيش كثير من الشباب اليوم تحت ضغوط اقتصادية ومعيشية تجعل الاهتمام بالاستقرار المهني والدخل أولوية تتقدم على الاهتمام بالشأن الثقافي العام، وتم تقديم السؤال المتعلق بالوظيفة وفرص العمل على السؤال المتعلق بالقراءة أو الإنتاج الفكري، فتحول الحل فردياً دون وجود رافعة لتغيير اجتماعي مثقف ومعرفي ينتج حالة من الخلاص الجمعي، فصرنا تدريجياً أفراداً تائهين في جموع بشرية ولسنا مجتمعاً حياً قادراً على التفكير والنقد والإبداع لإنتاج حلول جماعية.
وفي خضم كل هذه التحولات، شهد المجال العام نفسه تغيرات كبيرة، فالمثقف التقليدي كان يحتل موقعاً مركزياً في تشكيل الرأي العام، بينما انتقلت هذه الوظيفة جزئياً إلى الإعلام الرقمي وصنّاع المحتوى والمؤثرين على منصات التواصل الاجتماعي، ولم يعد التأثير مرتبطاً دائماً بعمق المعرفة أو الخبرة، بل أصبح في كثير من الأحيان مرتبطاً بسرعة الوصول إلى الجمهور وقدرة المحتوى على الانتشار.
لكن المشكلة الأعمق تكمن ربما في تغير طبيعة المدينة الأردنية ذاتها، فالمدن كانت تاريخياً فضاءات للتفاعل الاجتماعي والثقافي المباشر، بينما أصبحت الحياة الحضرية الحديثة أكثر فردية وأقل اعتماداً على العلاقات الاجتماعية التقليدية، وتراجعت المنتديات الثقافية وضعف دور بعض المؤسسات الوسيطة واختفت تدريجياً المساحات التي كانت تجمع المثقفين والمهتمين بالشأن العام في نقاشات مستمرة ومنتظمة.
ورغم ذلك، أدرك أن المدن الأردنية لم تتوقف عن إنتاج المثقفين تماماً، فاليوم لدينا باحثون وكتاب ومفكرون ومنتجون للمعرفة، لكنهم يعملون في فضاءات رقمية مختلفة عن تلك التي عرفتها الأجيال السابقة. كما أن تأثيرهم قد يكون موزعاً على منصات متعددة، ولكنه بالتأكيد أصبح أقل مما كان عليه سابقاً.
وحين النظر إلى المشكلة في عمقها يمكن اكتشاف أن المشكلة ليست في تراجع سلطة المثقف التقليدي، بل في عدم قدرة المؤسسات الثقافية والتعليمية على التكيف مع البيئة الجديدة، فالمجتمعات الحديثة لا تحتاج إلى إعادة إنتاج نموذج المثقف القديم بحذافيره، بل إلى خلق بيئة تسمح بظهور أشكال جديدة من المعرفة والنقاش الحر والإبداع الفكري، ولذلك فالمطلوب ليس استعادة الماضي، بل بناء فضاءات جديدة قادرة على ربط التكنولوجيا بالثقافة، والاقتصاد بالمعرفة، والشباب بالشأن العام.
ما زلت مؤمناً أن المدن الأردنية لا تزال تملك المقومات البشرية والتعليمية التي تسمح لها بإنتاج نخب ثقافية جديدة، لكن هذه النخب لن تشبه بالضرورة نخب الأمس، فالمجتمع تغير والمدينة تغيرت، كما أن أدوات التأثير تغيرت، وهو ما يوجب علينا جميعاً التفكير لمعرفة كيف يمكن لها أن تستعيد مدننا إنتاج مثقفيها الجدد بما يتناسب مع عالم مختلف كلياً عن ذلك الذي عرفته الأجيال السابقة.