لأي خطاب سياسي المعنى المباشر الذي يتعلق بموضوعاته والكلمات التي وظفت للتعاطي معها، وله أيضًا المعنى المتسع الذي يفتح الهامش للتأويل، وفيه يجب أن يوضع في الاعتبار التوقيت والسياق العام، وأيضًا الموضوعات التي تغيبت عن الخطاب فما يغيب له حضوره أيضًا.
يحضر في الخطاب الملكي في العيد الثمانين للاستقلال الأردن والأردنيون، وتغيب التفاصيل الكثيرة التي تغذت عليها الكثير من الأقلام والأصوات في السنوات الأخيرة، والرسالة الواضحة أن الجوهري يتعلق بالوطن وأهله، وأن أي فكر أو رؤية أو جهد أو عمل يجب أن يتم تقييمه وقياسه بما يخدم هذه الغاية الرئيسية، والخطاب يتوجه للأردنيين بوصفهم كلًا ناجزًا ومكتملًا، ففي هذه اللحظة من التاريخ تصبح العودة للتعريفات والتحديدات التي بذلت خلال السنوات الأخيرة غير ضرورة ولا منتجة، لأن مشروع الأردن واضح وهو الصمود والمضي قدمًا في طريق واضحةٌ وجهته وخياراته.
كتبت قبل أكثر من عشرين سنة رؤية مفادها أن الملك عبد الله الثاني يحمل مشروعًا أردنيًا كاملًا يعتبر الدور العربي أفقَا وفضاءً لتحققه في علاقة قائمة على التكامل والتفاهم وينتهي فيه الارتباك الذي يحمله السياق العربي للأردن، لا تنصلًا ولا انكفاءً، ولكن قناعةً بأن الأردن القوي والمتحقق سياسيًا واقتصاديًا هو الذي يضيف للأمة العربية وشعوبها، وكانت هذه الفكرة غير اعتيادية لأن الجيل الذي سبقني من الكتاب الأردنيين كان يحمل قناعات قومية مفرطة بقيت تنازعه في تصوره الوطني، وذلك ليس عيبًا ولكنه تعبير عن عصرٍ مضى بكل افتراضاته ومقارباته، ولم يكن ثمة عصرٌ جديد في تلك المرحلة يمكن البناء عليه، وهو ما تنبه له الملك ليطلق مجموعة من المبادرات واجهت كل مرة بعض التفاصيل والتأويلات المفرطة، ولكن هذه المرة تصبح التعريفات الواضحة والمتماسكة والمغلقة تحصينًا لسوء الفهم أو محاولة الالتفاف على المعنى.
وصف الهوى العربي في الخطاب الملكي محمل بالمعنى، خاصةً أنها يحدد البوصلة الأردنية ويتمثل في خيارات الدولة والإنسان، ولكن قبل ذلك كله، تبقى شخصية الأردن المستقلة التي يضعها الملك في سياق تاريخي يمتد لآلاف السنين، والرفض الواضح لأن يعتبر الأردن هامشًا لأي سردٍ أو مشروع يتجاوز ذاتيته وكيانه ومصالحه، وبذلك فإن الحكاية الأردنية تتأسس على المعادلة التي تقوم على الأرض والإنسان وتستطيع أن تحظى باستقلاليتها الكاملة بالرعاية الملكية التي تعني الاضطلاع بالأمانة التامة على الأرض والمسؤولية الكاملة للإنسان.
ما ولدته هذه الأرض الأصيلة لا يهزم ولا يكسر، لأنه جماع الخصوصية الأردنية التي تواصلت لعقود طويلة من الزمن، وعلى مشارف العقد التاسع من الاستقلال فإن ذلك يتحول إلى يقين وإلى روح الدولة والهدف هو المستقبل اللائق بالأردن والأردنيين، وهو ما يعني أن إطارًا قيميًا آخر يطرح اليوم على أساس الثقة بالإمكانيات الأردنية والخبرة التاريخية للبلاد التي واجهت الأزمات طويلًا وخرجت أقوى وأكثر منعة في كل منعطف وفي مواجهة كل عاصفة جيوسياسية، ولتحقيق هذه الغاية يقدم الخطاب تجاوزًا واضحًا للتفاصيل الكثيرة ويطرح المعنى الذي يستوعب الأردن والأردنيين بوصفهم مفاهيم ناجزة ومكتملة ليست بحاجة إلى التوقف طويلًا أمام الأسئلة أو محاولات إعادة الإنتاج الأيديولوجية أو الذرائعية.
يقرأ الخطاب الملكي في عيد الاستقلال الثمانين بما تجاوزه من موضوعات وترفع عنه من سياقات، ليؤكد الثقة في الدولة ومشروعها ومستقبلها.