يأتي عيد الاستقلال الثمانون والأردن يحمل في ذاكرته مسيرة حافلة من التضحيات والعمل الدؤوب، مسيرة كتب فصولها رجال صدقوا عهدهم لله والوطن، وبذلوا أرواحهم وجهدهم ليبقى الأردن عزيزًا آمنًا ثابتًا على مبادئه. في هذه المناسبة الوطنية، يستذكر الأردنيون الشهداء الذين رووا بدمائهم الزكية تراب الوطن، وحملوا رسالة الدفاع عن الأرض والكرامة، لتبقى راية الأردن خفاقة.
منذ تأسيس الدولة الأردنية، بدأت رحلة البناء وسط ظروف إقليمية ودولية معقدة، إلا أن الإرادة الأردنية كانت حاضرة في كل مرحلة. آمن الأردنيون بأن بناء الدولة مسؤولية جماعية، فكان الإخلاص في العمل والانتماء الصادق حجر الأساس في ترسيخ مؤسسات الدولة الحديثة. وعلى امتداد العقود، جرى بناء مؤسسات راسخة، وتطوير منظومة تعليمية خرّجت أجيالًا من الكفاءات التي حملت اسم الأردن إلى مواقع متقدمة في مختلف الميادين.
ويبقى اسم الملك المؤسس عبدالله الأول بن الحسين حاضرًا في وجدان الأردنيين، فقد وضع اللبنة الأولى للدولة الحديثة، وحمل مشروعها الوطني بإيمان راسخ، حتى ارتقى شهيدًا دفاعًا عن مبادئ الأمة وكرامتها، ليبقى استشهاده رمزًا خالدًا لمعنى الفداء والوفاء.
و في عهد المغفور له بإذن الله الحسين بن طلال، كرّس حياته لترسيخ أركان الدولة وتعزيز وحدتها الوطنية، وقاد الأردن بحكمة في مراحل دقيقة، ورسّخ نهج البناء والتحديث، حتى أصبح الأردن نموذجًا في الاستقرار والاعتدال. ثم تسلم الراية جلالة الملك عبدالله الثاني بن الحسين، فواصل مسيرة التطوير والتحديث، واضعًا الإنسان الأردني والعلم والتكنولوجيا في صلب المشروع الوطني، ليواصل الأردن حضوره بثقة في عالم سريع التحول.
شهدالأردن خلال هذه العقود محطات مفصلية تطلبت الصبر والتكاتف، فكانت وحدة الأردنيين دائمًا مصدر القوة والمنعة . وقد أثبتت التجربة الأردنية أن بناء الدولة يتحقق بالوعي والمسؤولية، وأن صون المنجزات يحتاج إلى استمرار العمل والتطوير ومواكبة التحولات التي يشهدها العالم.
وفي مسيرة التحديث، أولى الأردن اهتمامًا كبيرًا بالعلم والمعرفة، فكانت الجامعات جزءًا أساسيًا من مشروع الدولة. وأسهمت الكفاءات الأردنية في ميادين الطب والهندسة والتكنولوجيا والعلوم الإنسانية في ترسيخ مكانة الأردن عربيًا ودوليًا، ليبقى الإنسان الأردني الثروة الوطنية الأهم في مسيرة النهضة.
ومع دخول الدولة عقودها الجديدة، فإن الحفاظ على مكتسبات الاستقلال يفرض مواجهة واقعية للتحديات الراهنة، لا سيما الاقتصادية والجيوسياسية منها. إن تعزيز المنعة الوطنية اليوم يتطلب تحويل الرؤى السياسية والاقتصادية التحديثية إلى واقع ملموس، والاعتماد على الذات، وتمكين الشباب لمواجهة متغيرات العصر.
تأكد الذكرى الثمانين للاستقلال على أن ما تحقق كان ثمرة تضحيات عظيمة وجهود متواصلة. وهي مناسبة لتجديد العهد على مواصلة البناء، وتعزيز قيم الانتماء والعمل والإبداع، سيبقى الأردن ، كما كان دائمًا، وطنًا صنع تاريخه بالصبر والإرادة والعزيمة ، وحافظ على مكانته بحكمة قيادته وإخلاص شعبه، ويواصل مسيرته بثقة نحو المستقبل.