لم يعد الحديث الإسرائيلي عن ضم الضفة الغربية مجرد شعارات انتخابية يطلقها اليمين المتطرف، بل اخذ يتحول تدريجياً إلى مشروع سياسي يجد له مكاناً داخل بنية منظومة الحكم في إسرائيل، والخطورة هنا لا تتعلق بالفلسطينيين وحدهم، بل تمتد بصورة مباشرة إلى الأردن الذي يُعد أكثر الدول تأثراً بأي تغيير جذري في مستقبل الضفة الغربية وتطورات القضية الفلسطينية برمتها.
بالنسبة للأردن، فإن مشروع الضم الذي يلوح به سموتيرش ومعه بن غفير ومعظم قيادات الليكود بما فيهم نتنياهو لا يمثل اشكالية حدودية فنية ، بل هو تهديد استراتيجي يمس الأمن الوطني والهوية السياسية والاستقرار الداخلي ، فإسرائيل وعبر فرض السيطرة الكاملة على الضفة ومنع قيام دولة فلسطينية مستقلة، تدفع عملياً نحو إعادة إحياء فكرة " الوطن البديل" ولو بصورة غير معلنة ، فحين يُحاصر الفلسطيني سياسياً واقتصادياً داخل كانتونات معزولة بلا أفق سياسي فإن الضغوط ستتجه تلقائياً نحو الأردن سواء عبر الهجرة أو عبر محاولات إعادة تعريف العلاقة السياسية بين الفلسطينيين والأردن وهنا تكمن أخطر التداعيات، لأن المملكة الاردنية الهاشمية قامت تاريخياً على توازنات دقيقة، وأي خلل ديموغرافي أو سياسي كبير قد يفتح الباب أمام توترات داخلية معقدة.
الخطر الثاني يتمثل في البعد الأمني ، فالضم سيقود على الأرجح إلى حالة انفجار دائم داخل الضفة الغربية، لأن الشعب الفلسطيني لن يقبل بسهولة إنهاء مشروعه الوطني ، ومع تراجع دور السلطة الفلسطينية وهو ضعيف اصلا ستقترب الفوضى أكثر من الحدود الأردنية، ما يضع المملكة أمام استنزاف أمني طويل ومكلف.
أما الخطر الثالث، فهو المتعلق بمدينة القدس والوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية ، فاليمين الإسرائيلي لا يخفي رغبته في تغيير الوضع القائم داخل القدس وتقليص الدور الأردني التاريخي فيها ، وأي ضم واسع للضفة سيكون مترافقاً على الأغلب مع خطوات أكثر تشدداً تجاه المسجد الأقصى، ما يعني استهدافاً مباشراً للدور السياسي والديني الذي يمثله الأردن في اجمالي جغرافيا غربي النهر.
اما من الناحية الاقتصادية فإن الأردن قد يجد نفسه أيضاً أمام ضغوط إضافية كبيرة ، فالتوتر المستمر في الضفة الغربية سينعكس على الاستثمار والسياحة والتجارة، إضافة إلى احتمالية ارتفاع كلفة الأمن والخدمات في ظل أي موجات نزوح جديدة أو اضطرابات إقليمية متصاعدة.
ومع كل ما سبق ربما يكون الخطر الأكبر هو تحول الضم إلى " أمر واقع " مع مرور الوقت، فإسرائيل تراهن دائماً على عامل الزمن، وعلى اعتياد العالم تدريجياً على الوقائع الجديدة التى تخطط لها وتصنعها ، ولذلك فإن التحدي الحقيقي أمام الأردن لا يكمن فقط في رفض الضم سياسياً، بل في منع تثبيته كحقيقة دائمة يصعب التراجع عنه مستقبلاً.
مواجهة هذه المخاطر تبدأ أولاً بتعزيز الجبهة الداخلية الأردنية وتصليبها بكل الطرق والوسائل ، لأن الدول القوية داخلياً هي الأكثر قدرة على مواجهة الضغوط الخارجية ، كما تتطلب استمرار التحرك الدبلوماسي الأردني عربياً ودولياً للدفاع عن حل الدولتين ورفض أي محاولة لتصفية القضية الفلسطينية على حساب الأردن ، وفي الوقت نفسه نحتاج إلى خطاب سياسي وإعلامي واضح يؤكد أن إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة ليست مصلحة فلسطينية فقط، بل مصلحة أردنية عليا أيضاً ، فغياب الدولة الفلسطينية سيحطم بقايا الاستقرار الموجود ، وسيضع المنطقة كلها أمام مرحلة طويلة من القلق والتوتر والاضطرابات بدرجة اكبر بكثير مما هي عليه الان .
إن أخطر ما في مشروع ضم الضفة الغربية أنه لا يستهدف الجغرافيا الفلسطينية وحدها، بل يحاول إعادة تشكيل التوازنات السياسية والديموغرافية في المنطقة بأكملها ، ولهذا فإن الأردن لا ينظر إلى الضم باعتباره ملفاً خارجياً مازال خطره هو خطر افتراضي ، بل باعتباره قضية ساخنة تمس مستقبله واستقراره وهويته الوطنية بصورة مباشرة وتشكل مسا مباشرا ايضا بدول الاقليم وامنها القومي رغم وجود اطراف في الاقليم لا تعير هذا الامر الخطير اي اعتبار يذكر .