شهدت الأراضي الفلسطينية المحتلة في القدس والضفة الغربية خلال الأسبوع الماضي تصعيداً استيطانياً خطيراً اثار الدول الغربية التي وصفته بأنه يهدد استقرار المنطقة ويدمر أي فرصة لإقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة. تأتي هذه الإجراءات بالتزامن مع ذكرى احتلال الضفة الغربية وما يسمى «يوم القدس»، في مسعى إسرائيلي ممنهج لفرض وقائع جديدة على الأرض وتكريس السيطرة على المقدسات والممتلكات الفلسطينية.
لم يكتفِ وزير المالية الإسرائيلي، بتسلئيل سموتريتش، خلال الأسبوع الماضي بالإعلان عن نية حكومته «دفن فكرة الدولة الفلسطينية»، بل تفاخر علناً بإقامة 112 مستوطنة جديدة و160 بؤرة استيطانية ومزرعة رعوية، معتبراً ذلك «إنجازاً تاريخياً». هذا ليس كلاماً عابراً، بل برنامج حكومي معلن، يترجم على الأرض بوتيرة متسارعة، وكأن إسرائيل تراهن على أن انشغال العالم بغزة وأوكرانيا يمنحها «ضوءاً أخضر» مفتوحاً لابتلاع القدس الضفة الغربية بأكملها.
هذا التحذير، الذي وصفته صحيفة «جيروزاليم بوست» الإسرائيلية، يشكل تصعيداً نوعياً في الضغط الدولي على إسرائيل، إذ يفتح الباب أمام عزل اقتصادي محتمل للكيانات التجارية المتورطة في الاستيطان.
على الأرض، وثق المكتب الوطني للدفاع عن الأرض مقاومة الاستيطان موجة من الاعتداءات والانتهاكات التي طالت المواطنين وممتلكاتهم في مختلف أنحاء الضفة الغربية والقدس.
في القدس، اختطف مستوطنون المواطن أحمد عراعرة من تجمع المعازي البدوي شرق بلدة جبع، واعتدوا على آخرين، فيما أخطرت قوات الاحتلال بهدم 7 منازل سكنية و4 منشآت تجارية في بلدة حزما.
في الخليل، أحرق مستوطنون مركبة وجراراً زراعياً في بلدة صوريف، وأضرمت النار في أراضي المواطنين بمنطقة «أم نير» في بلدة الكرمل. كما هاجم مستوطنون مسكن المواطن رياض يوسف شناران في وادي الرخيم، ورشقوه بالزجاجات الحارقة ما أدى لإشعال النار في حظيرة أغنامه وفرن الطابون الخاص به. وفي بلدة بيت أمر، جرفت قوات الاحتلال مئات الدونمات من الأراضي المزروعة بالعنب واللوزيات بهدف توسيع مستوطنة «كرمي تسور».
في بيت لحم، هاجمت مجموعة من المستوطنين منازل المواطنين في قرية المنية، ما أدى إلى إصابة خمسة مواطنين تم نقلهم إلى المستشفى. وفي بلدة تقوع، أخطرت قوات الاحتلال بوقف بناء 15 منزلاً.
في رام الله، هاجم مستوطنون منطقة تل العاصور في بلدة سلواد، وأطلقت قوات الاحتلال الرصاص تجاه المواطنين ما أدى لإصابة طفل (14 عاماً). كما اقتحمت مجموعة كبيرة من المستوطنين حي المزيرعة في بلدة سنجل وأدت طقوساً تلمودية.
في نابلس، اعتدى مستوطنون على رعاة أغنام في خربة الطويل، ونصبوا «كرفانات» إضافية في منطقة «قماص» بين أوصرين وبيتا، التي تحولت إلى بؤرة استيطانية جديدة.
في سلفيت، اقتحم مستوطنون منطقة «النصبة» في ياسوف وقطعوا نحو 150 شجرة مثمرة.
في تطور خطير آخر، قررت حكومة الاحتلال تشكيل طاقم وزاري مشترك لدراسة مصادرة عقارات فلسطينية داخل ما يُسمى «الحي اليهودي» في البلدة القديمة، تعود ملكيتها لمواطنين فلسطينيين رفضوا الإخلاء منذ احتلال المدينة عام 1967. ويتركز المخطط على شارع السلسلة، الممر الحيوي المؤدي إلى المسجد الأقصى المبارك، ويشمل استهداف المدرسة الطشتمرية وخان الفحم وسوق الشوايين وسوق المبيضين وأوقاف إسلامية عريقة.
وأكدت محافظة القدس أن استهداف حي باب السلسلة «يحمل أبعاداً سياسية ودينية تتجاوز البعد العقاري»، محذرة من أن هذه الخطوات تأتي في إطار سياسة إسرائيلية ممنهجة لتهويد البلدة القديمة وتفريغ الممرات الحيوية المحيطة بالأقصى من سكانها الأصليين.
لأول مرة، تصدر سبع دول غربية كبرى (بريطانيا، إيطاليا، فرنسا، ألمانيا، كندا، أستراليا، نيوزيلندا) بياناً مشتركاً لا يترك مجالاً للشك: «سياسات الحكومة الإسرائيلية تقوض الاستقرار وتدمر آفاق حل الدولتين». لكن اللافت هو تجاوز الدول الأربع (ألمانيا، فرنسا، إيطاليا، بريطانيا) مرحلة «الإدانة» إلى التحذير العملي: «لا ينبغي لأي شركة تقديم عطاءات لمشروع E1 الاستيطاني». السؤال: هل تتجرأ هذه الدول على تحويل التهديد إلى عقوبات حقيقية؟ أم أن الأمر سيظل حبراً على ورق؟