في مشهد يومي مأساوي يتكرر بلا توقف، واصلت آلة الحرب الإسرائيلية قصفها وتدميرها لقطاع غزة، في خرق سافر وفاضح لاتفاق وقف إطلاق النار، يتواصل لليوم الـ226 على التوالي. لم تكتفِ طائرات الاحتلال ومدفعيته باستهداف ما يسمى بالأهداف العسكرية، بل تجاوزت ذلك إلى استهداف مقرات الشرطة المدنية، والدراجات النارية، وحتى الأحياء السكنية المأهولة بالنازحين.
ففي مشهد يعيد إنتاج المأساة ذاتها، استهدفت طائرات الاحتلال موقعاً للشرطة في منطقة التوام شمال غرب غزة ظهر أمس السبت، ليسقط خمسة شهداء جدد في سجلات وزارة الداخلية، بينما توزعت الإصابات في أماكن متفرقة من القطاع. ولم تكتفِ الطائرات المسيرة بذلك، بل أطلقت نيرانها تجاه شاب على دراجة نارية في مواصي خان يونس، ما أدى إلى إصابة أربعة مواطنين.
وفي شمال القطاع، أصيب مواطنان بشظايا قنبلة ألقتها طائرة مسيرة على مخيم حلاوة، بينما قصفت المدفعية شمال شرقي بيت لاهيا ومناطق شرقي حي الزيتون، وغارات جوية استهدفت شرق مخيم النصيرات، فيما نسفت قوات الاحتلال مباني سكنية بالكامل شمال شرق خان يونس. إنه ليس قصفاً عشوائياً، بل هو إصرار منهجي على تدمير أي شيء يتحرك أو يسكن في القطاع.
وخلف كل هذه الغارات، تتراكم الجثامين تحت الأنقاض وفي الطرقات، حيث تعجز طواقم الإسعاف والدفاع المدني عن الوصول إليها بسبب استمرار القصف وخطورة الأوضاع الميدانية، إضافة إلى القيود الإسرائيلية المتعمدة التي تشل حركة الإنقاذ. فمنذ بدء وقف إطلاق النار المفترض في 10 تشرين الأول الماضي، ارتفع عدد الشهداء إلى 890 شهيداً، وإجمالي الإصابات إلى 2677، مع تسجيل 777 حالة انتشال فقط من تحت الأنقاض، مما يعني أن أعداداً كبيرة من الضحايا ما زالت مفقودة، تنتظر من يُخرجها من تحت الركام.
أما الحصيلة التراكمية للإبادة المستمرة منذ السابع من تشرين الأول 2023، فتتحدث عن أرقام تكاد تعجز عن استيعابها: 72 ألفاً و783 شهيداً، و172 ألفاً و779 جريحاً. أرقام يزداد وقعها فظاعة عندما ندرك أن كل واحد منها يمثل إنساناً، عائلة، حكاية، ومستقبلًا سُرق بالقوة الغاشمة.
بينما تنهمر القنابل من السماء، يتسلل الجوع بصمت إلى الخيام والمدارس المهترئة.
لم تعد أم أحمد، النازحة من حي الرمال، تعرف كيف تُقنع أطفالها بالنوم دون طعام. تقول وهي تجلس أمام خيمتها البالية غرب مدينة غزة: «كنا ننتظر الوجبة الساخنة كآخر أمل في الحياة. الآن يعود الجوع من جديد. ما يتوفر اليوم في الأسواق يحتاج إلى أموال لا نمتلكها، نحن ولا أغلب النازحين».
إنها شهادة حية، لكنها ليست الوحيدة. فالواقع على الأرض يؤكد أن شبح المجاعة يعود إلى غزة بقوة. فقد بدأت المطابخ الخيرية والمطابخ والتكايا الإنسانية تغلق أبوابها الواحدة تلو الأخرى، أو تقلص عدد الوجبات بشكل كبير، بسبب نقص حاد في الإمدادات الغذائية والوقود، نتيجة سياسة «التقطير» الإسرائيلية المتعمدة عبر المعابر.
طوابير طويلة من الرجال والنساء والأطفال، تقف لساعات تحت أشعة الشمس الحارقة، ومعظمهم يغادر بأوانٍ فارغة، بعد أن ينفد الطعام المخصص للتوزيع في دقائق معدودة.
أبو جهاد، الأربعيني النازح وأب لخمسة أطفال في دير البلح، يصف الحصول على الطعام بأنه «معركة يومية». يقول بمرارة: «نقف ساعات طويلة تحت الشمس حتى نحصل على طبق أرز أو عدس. وأحياناً يعود الناس بلا شيء. بعض العائلات ينام أطفالها جوعى». وفي مشهد آخر في مخيم النصيرات، وقفت أم محمد تحمل أوانيها الفارغة أمام مطبخ خيري أعلن تأجيل التوزيع بسبب نقص المواد الغذائية، تقول: «لم نعد نحلم باللحم أو الفاكهة، فقط نريد خبزاً أو طبقاً يسكت جوعنا وجوع أبنائنا. أشعر بالعجز والخجل حين يطلب ابني الطعام ولا أملك شيئاً. الحرب لم تترك لنا بيتاً ولا مالاً، والآن الجوع يقتلنا ببطء».
هذه ليست حكايات فردية، بل هي واقع عام. فالمكتب الإعلامي الحكومي في غزة يؤكد أن الاحتلال يواصل تقليص أعداد الشاحنات المسموح بدخولها، ويتحكم في نوعية المواد الغذائية، ما تسبب بأزمة حادة في الأمن الغذائي. ومدير المكتب، إسماعيل الثوابتة، يكشف أرقاماً صادمة: منذ بدء اتفاق وقف إطلاق النار، كان من المفترض دخول 131 ألفاً و400 شاحنة مساعدات، لكن الاحتلال سمح فقط بدخول 48 ألفاً و636 شاحنة، أي بنسبة التزام لا تتجاوز 37%. بل إن النسبة تراجعت في مايو الجاري إلى 25% فقط. هذا يعني أن أكثر من 63% من الاحتياجات الإنسانية الأساسية لم يُسمح بدخولها، وهو ما يعادل حصاراً مطبقاً وتجويعاً متعمداً، وليس مجرد قيود إدارية.
إن ما يحدث ليس عجزاً لوجستياً، بل هو سياسة منهجية، كما يقول الثوابتة، تستخدم الغذاء والدواء كأدوات ضغط وابتزاز سياسي، في انتهاك صارخ لكل قواعد القانون الدولي الإنساني. والنتيجة أن أكثر من مليون طفل في غزة يواجهون خطر سوء التغذية الحاد، والأمراض المرتبطة بالجوع بدأت تنتشر بين كبار السن والمرضى، وتحذر التقارير الأممية من انهيار وشيك وكامل للوضع الإنساني إذا استمرت هذه السياسة للحظات أطول.
بينما يعاني الأحياء من الجوع، يعمل الاحتلال على جعلهم بلا مأوى أيضاً، في حلقة مفرغة من التشريد والعذاب. مركز غزة لحقوق الإنسان يطلق تحذيراً خطيراً، ويتحدث عن تصاعد نمط ممنهج وجديد من الإجرام: قوات الاحتلال تقوم أولاً بالاتصال هاتفياً بسكان المنازل المتبقية، تأمرهم بإخلائها فوراً، ثم تعود لتقصفها وتفجرها وتدميرها بالكامل، رغم أن أغلب هذه المنازل كانت أصلاً آيلة للسقوط نتيجة اعتداءات سابقة. لماذا؟ الجواب بسيط ومريع: لتصفية أي بيئة سكنية قابلة للحياة في غزة، وتعزيز التشريد الجماعي، وفرض واقع يجعل من المستحيل العيش في القطاع، تمهيداً لتهجير أهله قسراً.
المركز يوثق بين 20 و22 مايو الجاري فقط، تدمير مربعات سكنية كاملة في مخيمات النصيرات والبريج والمغازي، بعد إخلاءات هاتفية. ويرصد ما لا يقل عن 12 عملية استهداف وقصف من هذا النوع خلال شهر مايو وحده. وهذا النمط، كما يشير المركز، ليس جديداً، بل هو عودة لسياسة إسرائيلية قديمة وموثقة، تهدف إلى تدمير البيئة السكنية في القطاع بصورة منهجية.
إنها جريمة تضاف إلى سلسلة الجرائم الممتدة. فبعد أن دمر الاحتلال حوالي 90% من مباني غزة خلال الإبادة الجماعية المستمرة، وأجبر أكثر من مليوني إنسان على العيش في خيام بالية أو بجوار ركام منازلهم، ها هو يعود الآن ليستهدف ما تبقى من مساكن، ويضيق الخناق على الحيز الجغرافي الضيق الذي لم يتبقّ من غزة سوى 35% من مساحته الأصلية.
مركز حقوق الإنسان يحذر بوضوح: هذه السياسة ليست مجرد عمليات عسكرية، بل هي جزء من جريمة الإبادة الجماعية المستمرة، عبر التدمير المنهجي لمقومات البقاء والحياة، وإخضاع السكان المدنيين عمداً لظروف معيشية يراد بها تدميرهم فعلياً، كلياً أو جزئياً. الاتصالات الهاتفية التحذيرية لا تعفي الاحتلال من المسؤولية، ولا تمنح أي شرعية لاستهداف الأعيان المدنية، بل هي مجرد أداة إضافية للترهيب وفرض التهجير.
في سياق المواجهة السياسية والإعلامية، يخرج ممثل مجلس السلام «نيكولاي ميلادينوف» ليعلن خارطة طريق للمرحلة الثانية من خطة ترامب، محاولاً الضغط على الفصائل الفلسطينية من خلال الإعلام، وكأن المفاوضات الجادة تدار بهذه الطريقة. لكن د. باسم نعيم، عضو المكتب السياسي لحركة حماس، يفنده ويكشف تلاعبه بالحقائق. ويقول: ميلادينوف يزيف الحقائق ويتجاوز في خرائطه ما ورد في الخطة الأصلية، متجاهلاً الحقائق الثابتة على الأرض. فمنذ توقيع الاتفاق في 9 تشرين الأول الماضي، والاحتلال يواصل عدوانه يومياً بمعدل خرق يتجاوز 13 خرقاً يومياً. لم يدخل غزة أي كيس إسمنت، ولا قطعة خشب، ولا لوح زجاج، رغم أن الاتفاق ينص على الإعمار الجزئي للقطاع الصحي والتعليم والبنية التحتية.
كما يذكر نعيم أن معبر رفح كان من المفترض أن يفتح بعد 3 أيام من تسليم الأسرى الأحياء، حسب اتفاق عام 2005، لكنه لا يزال مغلقاً. ورغم الاتفاق الظالم على ما يسمى «الخط الأصفر»، فإن الاحتلال يعمل يومياً على إزاحته تحت غطاء القتل والتدمير، ما أدى إلى زيادة مساحة سيطرته المباشرة من 53% إلى 60%.
لكن ميلادينوف، بحسب نعيم، لا يرى في كل هذه الانتهاكات إلا «ملف السلاح»، ويربط أي خطوات بذلك، متجاهلاً قرار مجلس الأمن وخطة ترامب التي تتحدث عن نقاط أخرى أهم: دخول اللجنة الإدارية، والقوات الدولية، وانسحاب قوات الاحتلال أولاً قبل الحديث عن السلاح.
هنا يضرب نعيم بيد من حديد على الخط الفاصل: السلاح مرتبط بوجود الاحتلال. إنه حق أصيل لكل شعب يخضع للاحتلال، بل هو واجب للمقاومة. فالمقاومة وفصائلها قد قدّمت مرونة عالية جداً من أجل المصالح العليا للشعب الفلسطيني، وكانت دائماً حريصة على بذل كل الجهود لعدم عودة الحرب والإبادة الجماعية. لقد عرضت المقاومة، في إطار أفق سياسي واضح، وقف إطلاق نار طويل المدى بضمانات فلسطينية وعربية ودولية، على أن يتم تجميع السلاح وتسليمه فقط للدولة الفلسطينية المستقلة.
وهنا يكرر نعيم المبدأ الذي التزمت به حماس منذ سنوات: «سلطة وقانون وسلاح واحد»، لكن بشرط أن تكون السلطة شرعية ومنتخبة، وأن يكون السلاح الواحد في ظل دولة فلسطينية مستقلة كاملة السيادة. وليس كما يريد الاحتلال ومبعوثوه: تجريد المقاومة من سلاحها، بينما يبقى الاحتلال مسلحاً حتى أسنانه، ويستمر في قتل وتجويع وتشريد الفلسطينيين.
ويكشف نعيم تنكر إضافي ومستمر: الفيتو الإسرائيلي الذي يعطل أي حل سياسي داخلي. لقد سعت حماس لأكثر من عام ونصف للحوار مع السلطة الفلسطينية برعاية مصرية حول إدارة غزة بعد الحرب، لكنها فشلت في تشكيل حكومة وحدة وطنية. وقبلت الحركة كحل وسط بتشكيل لجنة إدارية وطنية من التكنوقراط، بل وطالبت بدخولها حتى أثناء الحرب، ورغم ذلك يتم تعطيل دخولها بسبب الفيتو الإسرائيلي. إن إسرائيل، كما يقول نعيم، لا تريد أي إدارة فلسطينية حقيقية في غزة، لأنها تريد فرض واقع الاحتلال والسيطرة المطلقة.
ويختتم نعيم بتأكيد أن حماس ملتزمة بالعملية التفاوضية واستكمال كل المراحل، لكنه ينتظر من الوسطاء والضامن الأمريكي أن يلزموا الاحتلال بالتزاماته، وألا يتحولوا إلى أداة ضغط على المقاومة فقط. ويرفض نعيم ربط احتياجات السكان الإنسانية الأساسية بالتفاوض، معتبراً ذلك «ابتزازاً للمواطنين وأخذهم كرهائن في حاجاتهم الإنسانية لصالح أجندة الاحتلال».
غزة تنزف، والمجاعة تقترب بخطى سريعة، ومخطط التهجير يتكشف يوماً بعد يوم، والمجتمع الدولي لا يزال صامتاً. والسؤال الذي يفرض نفسه بقوة: كم شهيداً إضافياً يحتاج العالم ليتحرك؟ وكم طفلاً جائعاً يلزم ليكسر الصمت ؟