كشف تحقيق موثق نشرته صحيفة «هآرتس»، بعنوان: «في الأخبار يقولون: وقف نار... فعمّ يتحدثون؟»، شهادات لخمسة جنود إسرائيليين من وحدات نظامية واحتياط، بينها المشاة والمدرعات، تحدثوا فيها عن واقع وصفه التحقيق بأنه يقوم على النهب المنهجي للممتلكات المدنية، والتدمير الواسع للبنية العمرانية، والانهيار في الانضباط العسكري، إلى جانب الأزمات النفسية التي يعاني منها الجنود في ظل غياب الرعاية المناسبة.
ويطرح التحقيق تساؤلات حول طبيعة الوجود الإسرائيلي في جنوب لبنان، وما إذا كان يُقدَّم كـ«منطقة أمنية»، أم أنه تحول، وفق الشهادات الواردة، إلى مساحة مفتوحة للنهب والتدمير.
وفي إحدى الشهادات، قال الجندي «نداف» إن القرى التي دخلها الجنود كانت تضم منازل فخمة وسيارات ومقتنيات ثمينة، مضيفاً: «كنا ندخل البيوت بإطلاق نار عشوائي، ثم تبدأ المهمة الحقيقية: البحث عن الأشياء الثمينة».
وأشار إلى أن عمليات النهب لم تقتصر على المنازل، بل شملت أيضاً المحال التجارية، حيث تم الاستيلاء على مواد غذائية وسجائر ومواد تنظيف وقرطاسية وأجهزة مختلفة. وأضاف: «أحد الجنود أخذ حقيبة مدرسة لابنه، وآخر أخذ مخرطة».
ويتابع الجندي، وفق التحقيق: «الجميع كانوا يرون ويفهمون ما يحدث... أي جندي كان يضع ما يأخذه مباشرة في سيارته. لم تكن حالات فردية، بل سلوكاً متكرراً».
وبحسب الشهادة نفسها، فإن بعض القادة العسكريين كانوا على علم بما يجري دون اتخاذ إجراءات حاسمة لمنعه. وقال «نداف»: «حتى عندما كان قائد الكتيبة يزورنا، كان الجنود ينهبون أمامه، وكان يتجاهل الأمر تماماً».
وأضاف أن أحد الضباط الذين حاولوا الاعتراض تلقى رداً مفاده أن «النقص في الجنود وعدم القدرة على محاسبة من أمضوا مئات الأيام في الاحتياط» حال دون اتخاذ أي إجراءات.
وفي شهادة أخرى، تحدث الجندي «العاد» (28 عاماً) عن عمليات هدم واسعة للقرى اللبنانية، قائلاً: «لم يكن هناك قتال، كنا نقوم فقط بهدم البيوت». وأضاف: «المدارس والعيادات والمنازل... كل شيء كان يُهدم، باستثناء المقابر».
ويكشف التحقيق أن الجيش الإسرائيلي استعان بمقاولين مدنيين لتنفيذ عمليات الهدم، بدلاً من استخدام وسائل عسكرية مكلفة، وفق ما ورد في الشهادات.
وقال أحد الجنود: «كانوا يعملون على حفارات عسكرية، ولم يكن بينهم جندي واحد. معظمهم من المستوطنين والدروز». وأضاف: «عندما سألت أحدهم كيف يحدث ذلك، أجاب: هم الوحيدون الذين وافقوا على القيام بهذه المهمة».
كما تضمن التحقيق شهادات عن الأوضاع النفسية التي يعيشها الجنود المشاركون في العمليات العسكرية.
وقال أحد الجنود، الذي طلب عدم الكشف عن هويته: «شعرت أنني عاجز تماماً... كل لحظة كانت تمر كأنها دهر، وكنت أخشى أن أفقد عقلي».
وأضاف أنه بعد عودته إلى إسرائيل لم يتمكن من التأقلم مع الحياة الطبيعية، قائلاً: «لم أعد أفهم كيف أعيش من دون أصوات الانفجارات والخوف».
وتحدث الجندي نفسه عن تجربته مع الدعم النفسي داخل المؤسسة العسكرية، قائلاً إنه عندما طلب المساعدة كانت النصيحة التي تلقاها: «تعلم التنفس بعمق».
وأضاف: «شعرت بسطحية كبيرة، وكأن الهدف فقط إعادتي إلى القتال، لا مساعدتي فعلاً».
وتناول التقرير أيضاً الموقف الأمريكي من الحرب في لبنان، مشيراً إلى أن واشنطن تحاول الموازنة بين دعم إسرائيل وبين عدم الظهور بمظهر الداعم لاستهداف مؤسسات الدولة اللبنانية.
واعتبر التقرير أن استمرار الدعم الأمريكي، رغم التقارير التي تتحدث عن انتهاكات ميدانية، يثير تساؤلات حول فعالية ما تصفه الإدارة الأمريكية بـ«الدعم المشروط».
«هل هذا هو وقف إطلاق النار؟»
وفي ختام التحقيق، نقلت الصحيفة عن الجندي «تومر» (19 عاماً) قوله: «بعد كل هذا يقولون في الأخبار: وقف إطلاق نار؟ هل تعرفون كم مسيّرة تحلق فوقنا يومياً؟ هذا الأمر لا ينتهي».
واعتبر التحقيق أن هذه الشهادات تمثل، وفق وصفه، «وثيقة إدانة» لما يجري في جنوب لبنان، وتسلط الضوء على اتهامات تتعلق بالنهب والتدمير والانتهاكات بحق المدنيين، وسط مطالبات بمحاسبة المسؤولين ووقف الانتهاكات الميدانية.