ما يميّز عبارات الشكر والامتنان والمودة في لهجتنا اليومية هو النغم الجميل والرائع؛ فعندما تنطلق، على سبيل المثال، نغمة: "الله يكثر خيرك" مثلها مثل الأمنية "الله يعطيك العافية" التي تشمل كثيراً من خطاب الاحترام والتقدير.
معبّر تماماً ما نقوم به من تحية متبادلة، ومع كل مناسبة نغتنمها من خلال زيارة أو مكالمة هاتفية مباشرة، ولقاء يمتد ليشمل الفرح والذكريات وما تبقّى من العمر المرهون بالعناية الطبية والأدوية.
تشدّني اللهجة النابعة من القلب والعفوية، والتي تشكّل هوية وطنية نستطيع من خلالها التعرف على موطنها لكنة أهلها وطعم السعادة في لبّ الحقيقة و"قلب الدار" والحاكورة والبيدر والدالية والمعرش ومعنى "الكيف".
القاموس الحيّ لدينا يحمل في طياته الكثير من العبارات التي غابت مع "الترند" والرسائل القصيرة وبعض مقاطع التهنئة والتعزية والتخرج والفرح والخطبة وأعياد الميلاد والمناسبات الأخرى.
يقترب العيد منا ونبدأ بتبادل عبارات وبطاقات المعايدة الجاهزة، ولكن هل ما تزال نكهة المناسبة ذاتها حاضرة في كل المواسم وخصوصاً تلك التي كانت تعني الكثير للقاصي والداني في مجتمعنا الأصيل؟
مع بداية موسم الصيف تظهر خيرات كنا نعبر عنها بشوقٍ للتذوق والطعم والتجوال؛ فتتصدّر المحال والمركبات والمعرشات بطرق عرض جميلة وعبارة: "ذوق وفيها العافية".
بائع البامية، ذلك الذي يتعهد قطعة رزق المتبقية بين العمارات السكنية، وإلى جانبه بسطه القرع البلدي ولونه الأخضر مثل العطاء؛ ومنظر البطيخ والشمام ومن ثم العنب لوحة جميلة ما تزال حاضرة في المكان بين ركام الذكريات وبين حبات الفقّوس و"الكعابير"، وبلهجة مميزة يتحدّث بها ذلك العم المعطَّر بنكهة الأرض المباركة.
في كل مناسبة ألتقي فيها ونتجاذب أطراف الحديث مع بائع "المشمّش" والخوخ الموشّح والدراق والبرقوق، أستذكر بساتين الجبيهة أيام الدراسة في الجامعة الأردنية بداية الثمانينيات، والمسافة الممتدة بين العصر والمغرب، والصلاة في مسجد الجامعة أو أبو قورة، والمشي إلى اللويبدة على الأقدام دون تعبٍ أو إرهاق.
"الله يقبل" عبارة كانت بمثابة عقد اجتماعي فريد، وسوف تبقى في الذاكرة الشعبية مثلها مثل عبارة "أفلح" و"وميل" و"اعبر" وحتى "المعزب رباح" ومعناها اللغوي والاجتماعي على حد سواء.
اللهم تقبل منا مع ظلال الأيام المباركة بما تيسّر لنا من عمرٍ وعملٍ وجهدٍ وتراحمٍ ومودةٍ نتقاسمها، وضيوف الله على صعيد عرفات ونسأل الله المغفرة مثل الحجيج وان نعود مثلهم أنقياء تماما.
اللهم آمين يا عم؛ " الله يقبل ".