مع تزايد التوقعات بقرب صدور إرادة ملكية سامية بدعوة مجلس الأمة إلى الاجتماع في دورة استثنائية لمناقشة عدد من القوانين المهمة، من بينها مشروع قانون الإدارة المحلية الجديد وتعديلات قانون الجامعات الأردنية بما ينسجم مع قانون التربية والتعليم وتنمية الموارد البشرية الذي سيدخل حيز النفاذ خلال الأسابيع المقبلة، تبرز الحاجة إلى إعادة تسليط الضوء على النصوص الدستورية الناظمة للدورات الاستثنائية، وما تحمله من دلالات تتجاوز بعدها الإجرائي إلى أبعاد دستورية أكثر عمقا.
فالدورة الاستثنائية هي تلك التي يعقدها مجلس الأمة خلال الفترة الفاصلة بين انتهاء دورة عادية وبدء الدورة العادية التالية، المحدد موعد افتتاحها دستوريا في الأول من شهر تشرين الأول من كل عام. وقد أفرد المشرع الدستوري لهذه الدورة حكما إجرائيا واحدا في المادة (82) من الدستور، نظم من خلاله آلية الدعوة إليها، سواء بقرار من جلالة الملك، أو بناء على طلب تتقدم به الأغلبية المطلقة لمجلس النواب بعريضة موقعة تبين فيها الأمور التي يراد البحث فيها.
ويكشف هذا التنظيم الدستوري عن رؤية متقدمة في توزيع الاختصاصات بين السلطات الحاكمة؛ فانعقاد الدورة الاستثنائية ليس رهنا بإرادة السلطة التنفيذية وحدها، وإنما يجوز للأغلبية النيابية المنتخبة طلب اجتماع المجلس بعد انتهاء دورته العادية. وتنسجم هذه الصيغة مع طبيعة نظام الحكم النيابي الملكي الوراثي، إذ لا يُفترض بالبرلمان أن يكون مجرد جهة تنتظر المبادرات الحكومية، بل مؤسسة دستورية فاعلة تمتلك من الأدوات ما يمكنها من التحرك للقيام بأدوارها الدستورية متى اقتضت المصلحة العامة ذلك.
وتتضح خصوصية النموذج الأردني بصورة أكبر عند مقارنته بعدد من الدساتير العربية التي حصرت سلطة الدعوة إلى الدورات الاستثنائية، أو ما يسمى بالدورات غير العادية، برئيس الدولة أو السلطة التنفيذية. ففي دولة الإمارات العربية المتحدة، ترتبط الدعوة إلى الانعقاد غير العادي للمجلس الوطني الاتحادي برئيس الدولة وبعد موافقة مجلس الوزراء، في حين خول قانون مجلس عُمان السلطان وحده صلاحية دعوة مجلس عُمان إلى الاجتماع في غير دور الانعقاد العادي متى رأى ضرورة لذلك، دون أن يكون للمجلس ذاته حق المبادرة بطلب الاجتماع.
وفي هذا الإطار، قدّم الدستور الأردني نموذجا عمليا للفصل المرن بين السلطات، حين كرس حق الدعوة إلى الدورات الاستثنائية لكل من السلطة التنفيذية ممثلة بجلالة الملك، والسلطة التشريعية ممثلة بمجلس النواب وحده دون مجلس الأعيان، باعتباره المجلس المنتخب والمعبر بصورة مباشرة عن الإرادة الشعبية، ويأتي هذا الاختصاص ضمن مجموعة من الصلاحيات التي خص بها الدستور مجلس النواب دون مجلس الأعيان، والتي تشمل طرح الثقة بالحكومة وإحالة الوزراء إلى النيابة العامة.
ومع ذلك، فإن الواقع العملي يكشف أن مجلس النواب لا يلجأ، في غالب الأحيان، إلى تفعيل هذا الحق الدستوري، ولا يعود السبب في ذلك إلى قصور في النص الدستوري ذاته، وإنما إلى طبيعة المجالس النيابية السابقة التي اتسمت بسيادة الطابع الفردي في العمل البرلماني وضعف الأداء الكتلوي والحزبي، الأمر الذي حال دون تشكل أغلبيات متماسكة تمتلك القدرة على تبني أجندات تشريعية واضحة والدفاع عنها.
ومن هنا، تبرز الأهمية الدستورية لمشروع التحديث السياسي الذي أطلقه جلالة الملك ورعاه، والقائم على تطوير الحياة البرلمانية وتعزيز العمل الحزبي البرامجي، فمع ازدياد حضور الأحزاب السياسية داخل مجلس النواب، تصبح الأغلبية النيابية أكثر قدرة على توظيف الصلاحيات التي منحها الدستور لها، وفي مقدمتها الحق في طلب عقد دورة استثنائية لمعالجة القضايا الوطنية والتشريعية الملحة.
وعندئذ، ستتحول هذه الصلاحية من نص دستوري قليل الاستخدام إلى أداة برلمانية فاعلة تسهم في انتقال الحياة النيابية من نموذج البرلمان المتلقي للمبادرات الحكومية إلى نموذج البرلمان المبادر القادر على تحديد أولوياته التشريعية وتفعيل برامجه السياسية، فعندما تتمكن الكتل البرلمانية من استخدام هذا الحق بصورة مسؤولة ومنظمة، فإن ذلك سيشكل مؤشرا مهما على نضج التجربة الحزبية الأردنية واقترابها من فلسفة الحكومات البرلمانية المنشودة؛ فالتحديث السياسي لا يقاس فقط بعدد المقاعد الحزبية تحت القبة، وإنما بمدى قدرة الأحزاب الممثلة في البرلمان على توظيف الأدوات الدستورية المتاحة لتحويل برامجها الانتخابية إلى سياسات وقوانين ملموسة.
* أستاذ القانون الدستوري في كلية الحقوق في الجامعة الأردنية