في مشهد يعيد إلى الأذهان تصعيد ما قبل حرب الإبادة الجماعية عام 2023، تنزلق الساحة الفلسطينية بسرعة نحو مواجهة عسكرية شاملة، وسط مؤشرات قوية على أن إسرائيل تستعد لاجتياح واسع لقطاع غزة، قد يفوق في حجمه وتداعياته أي عملية سابقة. تأتي هذه التطورات المتسارعة في وقت يرزح فيه اتفاق وقف إطلاق النار تحت وطأة خروقات يومية متتالية، وارتفاع مذهل في حصيلة الشهداء، وتحذيرات من انهيار وشيك للوضع الإنساني. وبينما تلوح في الأفق لحظة سياسية قد تنفرج، تبدو غزة أقرب من أي وقت مضى إلى دائرة حرب إبادة شاملة قد تعيد نزيف الدم إلى نقطة الصفر.
ورغم سريان ما يُعرف بـ«اتفاق وقف إطلاق النار» منذ تشرين الأول 2025، يواصل جيش الاحتلال الإسرائيلي خروقاته الميدانية لليوم الـ220 على التوالي، في تحدٍ صارخ للتفاهمات الدولية. وقد أدى هذا العنف اليومي الممنهج إلى استشهاد 871 فلسطينياً وإصابة 2562 آخرين منذ بدء سريان الاتفاق، وفق أحدث إحصاءات وزارة الصحة في غزة.
وفي أبرز الانتهاكات خلال الساعات الماضية، وفي وسط القطاع، استشهد ثلاثة مواطنين جراء غارة بطائرة مسيّرة إسرائيلية استهدفت محيط مستشفى شهداء الأقصى في دير البلح، تزامناً مع قصف مدفعي مكثف طال المناطق الشرقية لمخيم البريج.
أما في جنوب القطاع، فقد استشهد مواطن وأصيب آخرون في قصف استهدف محلاً تجارياً (حاصل) قرب كراج رفح وسط مدينة خان يونس، إلى جانب إطلاق نار كثيف من الآليات الإسرائيلية شرقي وجنوبي المدينة. وفي شمال القطاع، استشهد المواطن جهاد سلمان متأثراً بجراحه التي أصيب بها في قصف سابق استهدف منطقة بيت لاهيا.
وفيما يتعلق بالتحول الاستراتيجي في العقيدة العسكرية الإسرائيلية، تشير المعطيات الميدانية والاستخباراتية إلى أن إسرائيل تتجاوز مرحلة «الردع» التقليدية، وتشرع في تنفيذ عقيدة «الحسم العسكري» القائمة على ثلاث مراحل متداخلة ومتوازية.
وتتمثل المرحلة الأولى في تحويل النقاط المؤقتة إلى معاقل دائمة وتوسيع «المنطقة العازلة»، إذ كشفت مصادر عسكرية إسرائيلية أن الجيش يحوّل مواقعه الميدانية من نقاط دفاع مؤقتة إلى قواعد ثابتة ومحصنة، تتمركز بشكل رئيسي على طول ما يعرف بـ"الخط الأصفر» داخل «المنطقة العازلة». وقد تم بناء عشرات النقاط العسكرية الثابتة خلال الأشهر الأخيرة بهدف إنشاء «منطقة أمنية» مستقرة تسمح للجيش بشن توغلات سريعة عند الحاجة. ويتزامن ذلك مع توسيع نطاق السيطرة البرية، حيث تسيطر إسرائيل حالياً على أكثر من 60% من مساحة القطاع، بما في ذلك محور فيلادلفيا الاستراتيجي.
وفيما يخص خطة اجتياح مدينة غزة، فقد كشف موقع «ميليتارني» العسكري، نقلاً عن القناة الإسرائيلية N12، أن جيش الاحتلال يستعد لخطة لاقتحام مدينة غزة تتطلب تعبئة 250 ألف جندي احتياطي في أكبر حشد منذ حرب 1973، وإجلاء ما بين 800 ألف ومليون مدني من منطقة العمليات إلى ما يُسمى «المنطقة الإنسانية» في المواصي، إضافة إلى تطويق المدينة وإقامة مناطق إنسانية ونقاط توزيع طعام تمهيداً لاقتحامها.
لكن هذه الخطة تواجه معارضة داخلية غير مسبوقة، إذ أعرب رئيس الأركان إيال زامير عن تخوفه من «الفخاخ» التي نصبها مقاتلو حماس في الأنفاق الممتدة. كما أن رفض جنود الاحتياط العودة إلى القتال بات متزايداً، حيث صرّح العديد منهم لصحيفة «وول ستريت جورنال» بأنهم لن يعودوا إلى غزة في ظل استنزاف طويل الأمد للحرب على عدة جبهات تشمل غزة ولبنان وسوريا والضفة. وتشير استطلاعات الرأي إلى أن 79% من الإسرائيليين يعتبرون إنهاء الحرب في غزة المهمة الوطنية الأكثر إلحاحاً، ما يضع الحكومة الإسرائيلية أمام اختبار داخلي وشعبي صعب.
وفي سياق متصل، أكد الجيش الإسرائيلي نشر ستة ألوية عسكرية كاملة داخل غزة، في دلالة واضحة على نية البقاء لفترات طويلة. ومن المتوقع أن يدخل لواء المظليين القطاع خلال الأيام المقبلة ليحل محل أحد ألوية الاحتياط. ويضم هذا الحشد لواء 205 الذي أنهى للتو جولة قتالية استمرت شهرين في جنوب القطاع وجنوب لبنان، وهو ما لا يهدف فقط إلى السيطرة الميدانية، بل إلى إعادة تشكيل الواقع برمته تمهيداً لمرحلة ما بعد الحرب، والتي قد تشمل وفق مطالب وزراء اليمين المتطرف إعادة بناء المستوطنات في غزة.
وفي تحليل نشرته صحيفة «يديعوت أحرونوت»، يرى الخبير العسكري الدكتور ميخائيل ميلشتاين أن اغتيال القائد العام السابق لكتائب القسام، عز الدين الحداد (أبو صهيب)، رغم كونه «ضربة موجعة» لحماس، إلا أنه لا يؤدي في أي حال من الأحوال إلى نتيجة حاسمة. ويشير إلى أن عمليات الاغتيال لم تؤدِ يوماً إلى انهيار تنظيمي أو انشقاقات جماعية، محذراً من أن إسرائيل تتجاهل درساً مهماً مفاده أن الأعداء لا يُقضى عليهم، وأن المعارك الخاطفة تتحول إلى حروب استنزاف.
ويضيف أن اغتيال الحداد، الذي كان قد عُيّن رئيساً للذراع العسكري بعد اغتيال محمد السنوار في منتصف 2025، لن يُسهّل المفاوضات بشأن نزع السلاح، لأن حماس تريد تنفيذ المرحلتين الأولى والثانية من الاتفاق ثم بناء الثقة، وبعدها تسليم السلاح إلى لجنة عربية أو فلسطينية، مع استعدادها في أفضل الأحوال للتخلي عن الأسلحة الثقيلة فقط. ويخلص ميلشتاين إلى أن إسرائيل تواجه المفترق الاستراتيجي نفسه مع لبنان، حيث لا يوجد سوى خيارات سيئة.
وعلى الجانب الآخر، تؤكد مصادر أمنية واستخباراتية إسرائيلية وأجنبية أن حركة حماس لم تنهار، بل تعمل رغم الضربات على إعادة بناء قدراتها العسكرية والتنظيمية. ووفق تقرير صادر عن «معهد أميت للمعلومات والاستخبارات»، والذي حلله الدكتور إيغال شيري، فإن حماس تعمل على تجنيد آلاف المقاتلين الجدد وتدريبهم، والاعتماد على تصنيع أسلحة محلياً باستخدام ذخائر إسرائيلية غير منفجرة، إضافة إلى تهريب الأسلحة من مصر عبر طائرات مسيّرة، واستغلال الأنفاق التي لا تزال تشكل شريانها الأساسي، فضلاً عن تغيير التكتيكات إلى حرب عصابات لامركزية باستخدام العبوات الناسفة والكمائن لاستنزاف القوات الإسرائيلية.
في المقابل، يتمسك المكتب الإعلامي لحماس بنفي هذه التقارير، مؤكداً الالتزام بالاتفاق وضرورة تنفيذ مراحله. إلا أن تصريحات قادة آخرين، مثل محمود الزهار، تشير إلى أن سلاح المقاومة خط أحمر وشأن فلسطيني داخلي مرتبط بحماية الشعب من الاحتلال. كما ترفض الحركة مقترح نزع السلاح دون ضمانات بوقف الاغتيالات ووقف استهداف المدنيين وانسحاب جيش الاحتلال، وتطرح بدلاً من ذلك هدنة طويلة الأمد وبناء الثقة.
كما أن اللجنة الفنية المفترض أن تتولى إدارة غزة لم تتمكن من دخول القطاع بعد، ما خلق فراغاً إدارياً وأمنياً دفع حماس لتعزيز وجودها لمنع الفوضى، بما في ذلك ملاحقة من تصفهم بـ"العملاء»، وفق ما أظهرته توثيقات أمنية تابعة لها.
وفيما يتعلق بالسيناريوهات المتوقعة، يجمع المحللون على أن إسرائيل تتجه نحو عمل عسكري حاسم، لكنهم يختلفون حول شكله. إذ يرجح بعضهم سيناريو الضربات الانتقائية السريعة لتحقيق مكاسب سياسية داخلية لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو قبل الانتخابات، مع استمرار السيطرة على المعابر وخنق المساعدات الإنسانية. بينما يحذر آخرون من سيناريو الحرب الشاملة والتهجير، معتبرين أن سياسة الحرب الدائمة قد تهدف إلى فرض سيطرة كاملة على القطاع وربما دفع السكان نحو النزوح، مستفيدة من الانشغال الدولي بأزمات أخرى.
وفي المحصلة، تستعد إسرائيل عسكرياً لاجتياح واسع وغير مسبوق لقطاع غزة، سواء عبر السيطرة التدريجية أو عبر اقتحام شامل للمدن. إلا أن هذه الاستعدادات تصطدم بواقع ميداني معقد؛ فالمقاومة لم تنهار، والجيش الإسرائيلي يواجه أزمة بشرية واحتياط متزايدة، والمجتمع الإسرائيلي منقسم، بينما ينهار الوضع الإنساني في غزة بسرعة كبيرة تضغط باتجاه وقف التصعيد.
وتبقى المعضلة، كما يصفها بعض المحللين، أن إسرائيل تجد نفسها بين خيارات صعبة: احتلال كامل مكلف عسكرياً وسياسياً، أو ترتيبات مؤقتة مع بقاء واقع مقاومة نشط. وبين هذين الخيارين، لا يبدو أن هناك «نصراً حاسماً» في الأفق، فيما يظل المدنيون في غزة الأكثر دفعاً لكلفة هذا المشهد المتصاعد.