في هذا المشهد برز صراع بين مؤسسات الدولة وأصحاب الاختصاص من جهة، ومنصات التواصل بما تحمله من فوضى وغياب للمعايير من جهة أخرى، ومع تمدد نفوذ هذه المنصات، انقسم المختصون والمسؤولون بين من طالب بتشريعات تضبطها، ومن اختار مجاملتها ومجاراتها، وآخرين انساقوا خلفها ومنحوها شرعية إضافية من خلال تقليدها ومخالطتها على حساب المهنية والمؤسسية.
لا شك أن هذه المنصات وما يرتبط بها من نشطاء أصبحت تحديًا حقيقيًا للجميع وفي جميع الدول، خصوصًا مع تغلغلها المتزايد في تفاصيل الحياة اليومية، بحيث لم يعد الابتعاد عنها أو مقاطعتها أمرًا سهلًا. ومع ذلك، فإن ضبطها بالقوانين يظل ممكنًا، تمامًا كما أسهم قانون الجرائم الإلكترونية في الحد من الإساءات والإشاعات بدرجة ملحوظة، مع أمكانية توظيف هذه المنصات ذاتها (منها وفيها) في نشر الوعي بمخاطر غير المتخصص؛ فالمسألة تجاوزت حدود الترفيه والتواصل، وأصبحت تمس قضايا سيادية وحساسة بصورة مباشرة.
ومن أبرز الأمثلة على ذلك انتشار صفحات التغذية والوصفات الطبية والتنبؤ الجوي التي يديرها غير مختصين، حتى أصبحت مرجعًا لدى كثيرين. فبات "التريند" أحيانًا أقوى من العلم، ما يؤدي إلى تضليل الناس، وتعطيل حياتهم، وإرباك الرأي العام، سواء عبر وصفات طبية غير موثوقة أو أخبار ومعلومات تفتقر إلى المهنية.
صحيح أن حل هذه المعضلة ليس بسيطا، وأن هناك منطقة تداخل واسعة بين حرية التعبير وبين إنتاج محتوى مُضر، لكن ذلك لا يبرر الصمت أو تأجيل النقاش العام حول هذه الظاهرة كخطوة أولى نحو تطوير التشريعات وتنظيم الفضاء العام وترسيخ الوعي الإعلامي، وذلك قبل أن تَفرض هذه المنصات شرعية الأمر الواقع بالاعتماد على كثرة التفاعل وبالاختباء وراء شعار فضفاض كحرية التعبير.
الأردن اليوم يمضي في مسار إصلاح إداري يراه كثيرون، وأنا منهم، لا يقل أهمية عن الإصلاح السياسي، وربما يفوقه أثرًا في بعض الجوانب. ومن هنا تبدو الحاجة ملحّة إلى حماية المهن والعمل الأكاديمي من حالة التسيب والتغول التي تفرضها الفوضى الرقمية، وذلك حفاظًا على نتائج هذا الإصلاح واستدامته.
في المقابل، تقع على المجتمع المتلقي مسؤولية العودة إلى المختصين وأصحاب التصنيف المهني، وعدم الانجرار وراء من يجيد استثمار "الترند" مهما كانت حساسية المحتوى أو خطورته. في المحصلة، تبقى المسؤولية مشتركة وتكاملية بين الدولة والمجتمع.