هذه الفجوة بين الوجود القانوني للأحزاب وحضورها السياسي لا تتعلق فقط بضعف الأحزاب، بل تكشف عن أزمة أعمق في طبيعة العمل السياسي الحزبي في الأردن، وفي العلاقة بين المجتمع والسياسة، وبين الأحزاب والدولة، وبين الخطاب النظري والواقع العملي.
تاريخياً، ارتبطت الأحزاب الأردنية بمراحل معقدة من التحولات الإقليمية والداخلية، فبعضها تشكل ضمن سياقات أيديولوجية كبرى مرتبطة بالقومية أو اليسار أو الإسلام السياسي، بينما ظهر بعضها الآخر كاستجابة للتغيرات القانونية والسياسية الحديثة، لكن المشكلة أن جزءاً كبيراً من هذه الأحزاب بقي أسير منطق الهوية السياسية أكثر من كونه مشروعاً لإدارة الدولة أو تقديم حلول عملية للمجتمع.
وفي الوقت الذي تشهد فيه المنطقة والعالم تحولات متسارعة تتعلق بالاقتصاد الرقمي والطاقة والبطالة والذكاء الاصطناعي والأمن الغذائي، ما تزال الأحزاب الأردنية تتحرك بخطاب تقليدي لا ينجح في جذب الجيل الجديد أو التأثير الحقيقي في المجال العام، وهو ما يعني أنه لا يمكن تلخيص الأزمة بضعف التنظيم أو التمويل، بل تظهر بوضوح إشكالية في محدودية القدرة على إنتاج الأحزاب لأفكار سياسية واقتصادية جديدة تستجيب لتحولات الواقع.
وبات ملاحظاً أن الأحزاب لا تدرك دورها السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي، حيث لا تبدو الأحزاب حاضرة إلا خلال المواسم الانتخابية، ثم تعود إلى حالة من الغياب الطويل عن المجتمع، وهذا ما جعل شريحة واسعة من المواطنين تنظر إلى الأحزاب بوصفها كيانات شكلية أو نخبوية، لا مؤسسات سياسية فاعلة قادرة على الدفاع عن مصالح الناس أو التأثير في القرار العام.
وخلال السنوات الأخيرة، أكدت الأحداث والتحولات الإقليمية الكبرى التي واجهها الأردن حجم هذا الغياب، فعندما تواجه الدولة تحديات اقتصادية أو أزمات إقليمية أو تحولات استراتيجية، يكون حضور الأحزاب في النقاش العام محدوداً، وغالباً ما تكتفي بإصدار بيانات تقليدية أو مواقف عامة، دون تقديم رؤى متكاملة حول إدارة الاقتصاد أو الأمن الوطني، أو السياسة الخارجية أو مستقبل الدولة اجتماعياً واقتصادياً.
من منظور سياسي ووفق آليات التحديث السياسي التي تبناها الأردن، فإن الحزب الحقيقي لا يُقاس فقط بعدد أعضائه أو مقاعده في مجلس النواب، بل بقدرة الحزب على إنتاج رؤية متكاملة لإدارة الدولة، أي أن يكون قادراً على تقديم تصورات عملية حول التعليم والطاقة والاستثمار والبطالة والصحة والإدارة العامة وغيرها من القضايا التي تمس الدولة والمجتمع، وأن يمتلك كوادر وخبرات قادرة على النقاش وصناعة السياسات، وفي هذا الجانب تحديداً، يبدو أن الأحزاب الأردنية ما تزال تواجه تحدياً كبيراً، لأن جزءاً منها لم ينتقل بعد من منطق التجمع السياسي الذي يملك أعضاؤه توافقات الحد الأدنى إلى منطق الحزب السياسي الذي يملك أعضاؤه توافقات الحد الأعلى.
وحين نقارب المشهد الحزبي في الأردن ونعمل على تقديم قراءة معمقة، لا يمكن لنا أن نتجاهل العلاقة التاريخية المعقدة بين المجتمع الأردني والعمل الحزبي، وبالتأكيد في التجربة التاريخية لعبت دوراً مهماً في هذا الواقع، وساعدت على إنتاج الثقافة السياسية المحلية التي لم تتطور بصورة كافية باتجاه العمل الحزبي المؤسسي، وبقيت الهويات الاجتماعية والعائلية والمناطقية أكثر حضوراً وتأثيراً في السلوك الانتخابي والسياسي، وهذا وإن كان سبباً من الأسباب التي جعلت الأحزاب تواجه صعوبة في بناء قواعد اجتماعية مستقرة تتجاوز المواسم الانتخابية، إلا أنه مبرر لم يعد كافياً أو مقنعاً لتبرير الركود في الحياة الحزبية، وبالتالي عوضاً عن إلقاء اللوم على الظروف التاريخية أو على المجتمع في ركود الحياة السياسية، فإنه لا بد من مواجهة حقيقة أن من تصدر المشهد الحزبي بعد عملية التحديث السياسي ليسوا سياسيين بالمعنى الحرفي للكلمة، وبالتأكيد ليسوا حزبيين، فلم يعرفوا كيف يؤسسون الأحزاب زما هي الأدوار المنوطة بها.
الحياة الحزبية تتطلب وجود أحزاب حقيقية مبنية على أيديولوجيا واضحة، تختلف فيما بينها وتجذب لها من يشبهها، وبالتأكيد فإن الحياة الحزبية تحتاج أيضاً إلى بيئة سياسية وإعلامية وثقافية تسمح بتراكم العمل السياسي الطبيعي على المدى الطويل، فالأحزاب لا تُبنى فقط بالقوانين، بل ببناء الثقة العامة، وخلق مساحات للنقاش، وربط السياسة بالحياة اليومية للمواطن.
واليوم، تبدو الأزمة الأساسية أن كثيراً من الأحزاب الأردنية ما تزال تفكر بعقلية التمثيل السياسي أكثر من عقلية الكفاءة السياسية، أي أنها تطلب من الناس الانضمام إليها على أساس الشعارات العامة، لا على أساس الكفاءة والبرامج والقدرة على تقديم حلول تنافسية، وفي عالم يتغير بسرعة، لم يعد المواطن يبحث عن خطاب هوياتي مغلق أو خطاب شعاراتي بلا معنى، بل عن حزب يستطيع أن يشرح له كيف سيحسن حياته وفرصه الاقتصادية ومستقبل أبنائه، ليس عبر بناء فزاعات بل عبر العمل على الإنجاز.
مستقبل الأحزاب الأردنية وبالتالي الحياة الحزبية والسياسية لا يتحدد فقط بعدد الأحزاب الموجودة قانونياً، بل بقدرتها على التحول إلى مؤسسات سياسية حقيقية تعمل طوال الوقت وتنتج معرفة وسياسات، لا مجرد بيانات ومواقف، فالدولة الحديثة لا تحتاج فقط إلى مجلس نواب وأحزاب من حيث الشكل، بل إلى حياة سياسية حقيقية قادرة على إنتاج التوازن والمساءلة والأفكار الجديدة.
لقد تجاوزت الأحزاب الأردنية إثبات حقها في الوجود القانوني، وصار لزاماً عليها التحرك بجدية لإثبات ضرورتها السياسية والاجتماعية، فالمجتمع لا يمنح الشرعية الحقيقية للأحزاب عبر القانون فقط، بل عبر الإحساس بأنها قادرة على تمثيل مصالحه وفهم تحولات العصر وتقديم إجابات مقنعة على أسئلة المستقبل.