في خطوة تعكس رغبتها بمواكبة التطور التقني السريع، أعلنت "هيئة شباب كلنا الأردن" عن إطلاق برنامج تدريبي متخصص في مفهوم "Vibe Coding"، هذا المصطلح لم يعد مجرد موضة أطلقها أندريج كارباثي، بل أصبح تغييراً كبيراً يعيد تشكيل عالم البرمجيات.
السؤال المهم: هل نحن أمام جيل جديد من المبدعين الذين يتحكمون بالآلة، أم أننا نعد أشخاصاً يجيدون إعطاء أوامر للذكاء الاصطناعي دون فهم حقيقي لمنطق البرمجة؟
هذا الأسلوب الجديد في البرمجة يعتمد على استخدام اللغة العادية والمزاج العام لوصف الفكرة للآلة، لتقوم هي ببناء البرنامج، وهذا يمثل تغييراً جذرياً في مفهوم المبرمج.
وبينما تعتمد حاضنات أعمال كبرى في العالم على هذا الأسلوب لبناء شركاتها الناشئة، نجد في الأردن بيئة خصبة ونماذج ملهمة؛ مثل "أمجد مسعد" الذي قاد ثورة "Replit" عالمياً، ونظام "سراج" التعليمي الذي دعمه سمو ولي العهد، مما يثبت أن الكفاءة الأردنية قادرة على تحقيق قفزات سريعة باستخدام الذكاء الاصطناعي.
لكن التجارب السابقة في برامج تمكين الشباب تذكرنا بأن المهم ليس مجرد ورش العمل، بل ما بعدها، الرهان الحقيقي اليوم ليس في شعارات براقة تعد الشباب بمستقبل رقمي جميل، بل في القدرة على تجاوز فكرة "الاستهلاك التدريبي" الذي ينتهي بانتهاء الدورة.
شبابنا لا يحتاج فقط إلى محتوى نظري يضاف إلى معلوماتهم، بل إلى خريطة طريق واضحة وفعالة؛ ولهذا أرى أن التمكين الحقيقي في برنامج "Vibe Coding" يتطلب خطوات عملية، بعيدة عن شهادات التخرج الصورية منها: -
أن نتحول من قاعة تدريب تقليدية إلى "معمل تطبيقي" حقيقي، بحيث كل متدرب يبدأ من أول يوم بمشروع حقيقي، سواء كان تطبيقاً صغيراً أو موقعاً أو أداة، وينهي البرنامج بمنتج رقمي جاهز للتسويق، وليس مجرد واجب منزلي.
ثم لا بد من توفير "مرافق تقني" لكل مجموعة صغيرة من الشباب، وليكن لكل 5 متدربين موجّه متخصص بالبرمجة والذكاء الاصطناعي، يتابعهم أسبوعياً لحل مشاكل "الكود الهش" الذي قد يصدر عن الذكاء الاصطناعي أحياناً؛هذا هو الفرق بين الحماس العابر والمهارة الحقيقية.
كما أقترح إنشاء مسار حقيقي لتحويل الأفكار إلى شركات ناشئة، بالشراكة مع مسرعات أعمال مثل "أورنج" و"أبتاون"، بحيث يتم تبني أفضل المشاريع من كل دورة وتحويلها إلى شركات صغيرة بدعم مالي ولوجستي، بدلاً من أن تموت الفكرة بمجرد انتهاء البرنامج.
ومن الضروري أيضاً إصدار حقيبة تدريبية مفتوحة بالعربية، تحتوي على فيديوهات وتمارين مجانية تصل لأي شاب أردني في المحافظات دون الحاجة للالتحاق بدورة، بهذه الخطوة نوسع نطاق التمكين ولا نقتصر على الحضور الفعلي.
وفي ختام البرنامج، أقترح تنظيم "يوم عرض" بحضور مستثمرين حقيقيين بدلاً من حفل تخرج تقليدي، بحيث يقدم الشباب مشاريعهم أمام مستثمرين أردنيين، ويحصل الفائزون على تمويل أولي أو احتضان.
في نهاية المطاف، لا بد من شراكة مع منصات العمل الحر العالمية مثل "أب وورك" و"ريبلت"، حيث يحصل الشباب المتميزون على حسابات موثقة أو خصومات، مع إلزامهم بنشر مشروعين حقيقيين على الأقل خلال ثلاثة أشهر من التخرج.
بهذه الخطوات العملية نضمن أن شبابنا لن يكونوا مجرد مستخدمين مبهورين بالنتائج السريعة، بل عقولاً تفهم ما تطلبه من الآلة، وقادرة على تحويل "مزاج البرمجة" إلى قيمة اقتصادية مستدامة.
التمكين الحقيقي لا يُقاس بعدد الحضور أو صور التخرج الجميلة، بل بقدرة المشارك على تجاوز تحديات الكود الضعيف.
الأردن اليوم أمام فرصة ذهبية ليسبق غيره، بشرط أن نخرج من القوالب التقليدية للدورات إلى فضاء الإنتاج الرقمي المدروس.
وهنا يكمن السؤال الذي ستجيب عنه الأيام: هل سنرى غداً جيلاً يقود هذه الثورة بفهم ومعرفة، أم سنظل متفرجين؟ الإيمان بقدرات شبابنا كبير، لكن الأمل الحقيقي هو في بناء منظومة متكاملة تحول هذا "المزاج البرمجي" إلى واقع اقتصادي ملموس.