حين تُذكر القلاع الرياضية في الأردن، ويتردد صدى الهتاف في مدرجات “عروس الشمال”، لا تغيب عن الذاكرة أسماء الرجال الذين أدركوا أن الرياضة ليست مجرد لعبة تُمارس فوق مستطيلٍ أخضر، بل مشروعُ هويةٍ وانتماء، ونافذةُ فرحٍ تتنفس منها المدن أحلامها. وفي مقدمة هؤلاء، يبرز اسم عامر أبو عبيد؛ الرجل الذي أعاد إلى نادي الحسين إربد بريقه، وضخَّ في عروق “الحلم الأزرق” روحاً جديدة من الطموح والكبرياء.
لم يقترب عامر أبو عبيد من النادي بعاطفة المشجع وحدها، بل حمل معه عقلية الإداري الذي يؤمن بأن الصروح العظيمة لا تُبنى بالمصادفة، وإنما بالتخطيط العميق، والرؤية البعيدة، والقدرة على تحويل التحديات إلى درجاتٍ للصعود وهذا ما أشار اليه رئيس جامعة اليرموك خلال زيارته للنادي مهنئاً وفريقه الإداري . فكان ابو عبيد بارعاً في الموازنة بين شغف الجماهير الذي لا تحدّه السماء، وبين واقع الإمكانات ومتطلبات العمل المؤسسي، ليصنع من الحلم مشروعاً قابلاً للحياة والاستمرار.
وقد آمن بأن الضجيج يربك الرؤية، فاختار طريق العمل الهادئ، تاركاً للإنجازات أن تتحدث عنه، وللغة الأرقام أن تقدّم شهادتها بصمت الواثقين. لذلك لم يكن حضوره قائماً على الاستعراض، بل على أثرٍ ملموسٍ يتجسد في استقرار النادي، وقوة حضوره، واتساع الثقة به داخل البيت الحسيني وخارجه.
وبالنسبة لعامر أبو عبيد، فإن نادي الحسين ليس مجرد مؤسسة رياضية، بل اختزالٌ لمدينةٍ كاملة، ومرآةٌ لذاكرتها الجمعية. يدرك أن هذا النادي هو رئة إربد التي تتنفس بها أفراحها، وأنه جزءٌ أصيل من وجدان الناس الممتد عبر الأجيال. لذا جاءت علاقته بالنادي أشبه بعلاقة الروح بالجسد؛ قريبٌ من نبض الجماهير، يقرأ في عيونهم شغف العاشقين، ويسمع في هتافهم أحلام مدينةٍ تريد أن ترى نفسها دائماً في القمة.
ويتمتع بحضورٍ يفرض الاحترام دون تكلّف؛ هادئ الطباع، متزن الكلمات، يتحدث بلغة الواثقين، ويدير الأزمات بعقل الحكيم ورباطة جأش القائد. وهو في الوقت ذاته قريبٌ من اللاعبين، يشعر بتعبهم، ويوقظ فيهم روح المقاتل، مؤمناً بأن الأندية الكبرى تُبنى بالثقة والانتماء قبل أن تُبنى بالمال والاستثمار.
ويمثل عامر أبو عبيد نموذجاً للجيل الجديد من الإداريين الذين ينظرون إلى الرياضة باعتبارها رسالةً وطنية وأخلاقية، لا ساحةً للاستعراض أو المصالح الضيقة. وفي زمنٍ صار فيه الصخب عنواناً لكثيرٍ من المشاهد الرياضية، يبقى هو علامةً فارقة؛ رجلٌ يحمل إربد في قلبه، والحسين في وجدانه، ويزرع للمستقبل أكثر مما يبحث عن تصفيق اللحظة.
إنه يؤمن بأن “الحسين الملكي” لا يستحق فقط منصات التتويج، بل يستحق أيضاً رجالاً يصونون كرامة القميص، ويحفظون إرث الشعار، ويكتبون بحكمة الإدارة وشغف المدينة فصولاً جديدة من المجد لنادي الحسين .