ارتفع عدد شهداء قطاع غزة في القصف الدامي الذي استهدف، مساء أمس، بناية سكنية ومركبة في حي الرمال وسط مدينة غزة إلى 8 شهداء، في وقت شارك فيه آلاف الفلسطينيين، أمس السبت، في تشييع مهيب لجثمان القائد العام لكتائب القسام، الجناح العسكري لحركة حماس، عز الدين الحداد، الذي استشهد برفقة زوجته وابنته في جريمة اغتيال إسرائيلية.
وجاءت عملية الاغتيال وسط حالة استنفار إسرائيلية واسعة، حيث أمر رئيس شعبة العمليات في هيئة الأركان الإسرائيلية، اللواء إيتسيك كوهين، برفع مستوى التأهب والاستنفار في البر والبحر والجو عقب تنفيذ العملية المركزة داخل قطاع غزة. وأوضحت المعطيات الميدانية أن العملية استهدفت منطقة تقع عند تقاطع شارع الجلاء مع أحد الشوارع الفرعية في حي الرمال، أحد أكثر الأحياء كثافة سكانية في غرب مدينة غزة، وسط تجمعات مدنية وخيام للنازحين قرب ملعب اليرموك، الذي تحول خلال الحرب إلى مركز لإيواء آلاف النازحين، ما يفسر ارتفاع أعداد الضحايا والمصابين.
وقال إيتسيك كوهين إن العملية نُفذت على مرحلتين، حيث شملت المرحلة الأولى استهداف شقة سكنية في عمارة «المعتز» بخمسة صواريخ، فيما تم في المرحلة الثانية، وبعد دقائق من القصف الأول، استهداف سيارة كانت تحاول مغادرة المكان باتجاه مستشفى الشفاء عبر شارعي الجلاء أو اليرموك.
ويشير الاستهداف المتزامن إلى أن الجيش الإسرائيلي حاول التأكد من عدم نجاة الحداد، خاصة مع ترجيحات بوجود إصابات جرى نقلها من موقع القصف الأول إلى السيارة التي تعرضت للاستهداف لاحقاً.
وأفاد مصدر في الإسعاف والطوارئ بسقوط 8 شهداء، بينهم 3 نساء وطفل، بالإضافة إلى أكثر من 50 مصاباً، بينهم حالات بالغة الخطورة، جراء استهداف الشقة السكنية والسيارة المدنية في مدينة غزة. كما أكدت مصادر عائلية أن الحداد ارتقى شهيداً برفقة زوجته وابنته، ليلتحقوا بابنيهما اللذين استشهدا خلال الحرب المستمرة على قطاع غزة.
وعُرف الحداد بقدرته الكبيرة على التخفي والنجاة من محاولات اغتيال سابقة، ما أكسبه لقب «شبح القسام»، إذ تعرض خلال السنوات الماضية لعدة محاولات اغتيال خلال جولات التصعيد أعوام 2009 و2012 و2021، إضافة إلى استهداف منزله عام 2024.
وخلف عز الدين الحداد الشهيد محمد السنوار في قيادة أركان كتائب عز الدين القسام، وبعد اغتيال إسرائيل عدداً من قادة الصف الأول في الحركة، بينهم إسماعيل هنية ويحيى السنوار ومروان عيسى ومحمد الضيف، تصدر اسم الحداد قائمة المطلوبين الإسرائيليين، مع رصد مكافأة بلغت 750 ألف دولار لمن يدلي بمعلومات عنه.
وكشفت وسائل إعلام إسرائيلية تفاصيل إضافية حول العملية، حيث ذكر موقع «واي نت» التابع لصحيفة «يديعوت أحرونوت» أن المؤسسة الأمنية الإسرائيلية تتبعت قائد الجناح العسكري لحماس لأكثر من أسبوع، وانتظرت خروجه من شقة الاختباء الخاصة به في مدينة غزة، قبل إعطاء الأوامر بتنفيذ الهجوم بعد توفر ما وصفته بـ«درجة يقين كاملة».
ووفقاً لهيئة البث الإسرائيلية، قال مسؤول إسرائيلي كبير إن «إسرائيل أبلغت الولايات المتحدة منذ أيام بأنها ستقوم باغتيال الحداد متى سنحت الفرصة لذلك»، في إشارة إلى مستوى التنسيق الاستخباراتي والعسكري بين تل أبيب وواشنطن، وما يوصف بأنه غطاء أميركي للعملية.
وذكرت صحيفة «يسرائيل هيوم» أن الغارة التي استهدفت الحداد شاركت فيها ثلاث طائرات حربية من طراز F15، وهي من أكثر الطائرات تطوراً في سلاح الجو الإسرائيلي، حيث استخدمت 13 ذخيرة هجومية لتدمير الشقة المستهدفة بشكل كامل. كما أوضحت هيئة البث الإسرائيلية أن سلاح الجو استخدم طائرات مسيرة ومقاتلات لاستهداف شقة عز الدين الحداد، التي كانت تستخدم كمخبأ له، إلى جانب استهداف مركبة غادرت الموقع في الوقت ذاته، وذلك لمنعه من محاولة الفرار أو النجاة من الهجوم. ووفقاً للقناة 14 العبرية، فقد مُنحت المصادقة النهائية من المستوى السياسي، ممثلاً برئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع يسرائيل كاتس، قبل عدة أيام من تنفيذ العملية، فيما أعلن نتنياهو وكاتس، في بيان مشترك، أن العملية نُفذت بتوجيه مباشر منهما. وأطلقت القناة 14 العبرية على العملية اسم «مغامرة بأرواح»، في إشارة إلى المخاطرة التي رافقت تنفيذها بسبب وجود آلاف النازحين في المنطقة المستهدفة.
ويُعد الحداد من آخر القيادات البارزة في حركة حماس داخل قطاع غزة التي لم تُغتل ممن أشرفوا على عملية 7 أكتوبر، وكان من بين القلة القليلة داخل كتائب القسام المطلعة على تفاصيل عملية «طوفان الأقصى»، ما يضفي على اغتياله أهمية خاصة من منظور الاحتلال الإسرائيلي. ورغم أهمية الشخصية المستهدفة، استبعد الكاتب والمحلل السياسي إياد القرا أن يؤدي غياب الحداد إلى تأثير حاسم على أداء كتائب القسام، مشيراً إلى أن الحركة واصلت إدارة المواجهة بعد اغتيال قادة بارزين مثل محمد الضيف ومحمد السنوار دون انهيار بنيتها العسكرية. وأكد القرا أن كتائب القسام طورت خلال الحرب الطويلة آليات للتعامل مع خسارة القيادات عبر انتقال المهام إلى مستويات قيادية بديلة، معتبراً أن القرار داخل الحركة يقوم على «العمل المؤسسي» وليس الفردي.
من جهته، يرى الأكاديمي والخبير بالشؤون الإسرائيلية محمود يزبك أن العملية تأتي في سياق محاولة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إظهار صورة «الحسم»، وهي الرواية التي يكررها منذ بداية الحرب دون أن ينجح، وفق تقديره، في فرضها ميدانياً. وأضاف أن إسرائيل ما تزال عاجزة عن تحقيق حسم كامل في غزة، معتبراً أن نتنياهو يحاول توظيف عمليات الاغتيال سياسياً لتعزيز موقعه الداخلي في ظل الحديث المتنامي عن حل الحكومة والتوجه إلى انتخابات مبكرة.
ورغم أهمية الشخصية المستهدفة، يرى مراقبون أن توقيت العملية يرتبط أيضاً بمسار المفاوضات الجارية بشأن التهدئة، في ظل تقديرات بأن إسرائيل تسعى لاستخدام الاغتيالات كورقة ضغط ضمن معركة إدارة الصراع في غزة. وفي المقابل، أظهر المشهد الفلسطيني في غزة حالة من التلاحم الشعبي، تجسدت في مشاركة آلاف الفلسطينيين في تشييع جثمان الشهيد عز الدين الحداد، فيما تؤكد التحليلات أن كتائب القسام طورت آليات مؤسسية تمكنها من تجاوز خسارة قادتها ومواصلة الصمود والتصدي للاحتلال.