234 ألف مستوطن و14 ألف «هوية مقدسية» ملغاة
78% تحت خط الفقر.. ومسار جديد للأسرلة التعليمية
الاقتصاد المقدسي في حالة تبعية دائمة للدولة العبرية
برامج صحية لتعزيز ارتباط السكان بالمؤسسات الإسرائيلية
تكشف دراسة جديدة صادرة عن جمعية الدراسات العربية بعنوان: «قراءة إحصائية جغرافية ديمغرافية اجتماعية لسياسات الاحتلال الإسرائيلي تجاه واقع القدس الشرقية»، عن صورة مكثفة لتحولات المدينة المقدسة خلال ما يقارب ستة عقود من الاحتلال الاسرائيلي، مستندة إلى معطيات ديمغرافية وقانونية واقتصادية وصحية وتعليمية، جمعت من مصادر إسرائيلية وفلسطينية ودولية.
الدراسة التي أعدها الدكتور عزمي أبو السعود والأستاذ وسام عبد اللطيف ترصد كيف تحولت القدس الشرقية منذ عام 1967 إلى ساحة لإعادة تشكيل جغرافي وديمغرافي ممنهج، انعكس في تضاعف أعداد المستوطنين وتقييد الوجود الفلسطيني قانونياً واقتصادياً وعمرانياً.
ففي عام 1967 كان عدد المستوطنين الإسرائيليين داخل حدود بلدية القدس المحتلة لا يتجاوز بضعة آلاف، بينما تشير أحدث الإحصاءات إلى وصول عددهم إلى نحو 234 ألف مستوطن، في نمو تصفه الدراسة بأنه نتاج مباشر لسياسات منظمة للدولة العبرية استندت إلى التشريعات والتخطيط العمراني والمصادرات.
وفي المقابل، أظهرت البيانات المتعلقة بالإقامة الدائمة أن سلطات الاحتلال ألغت 14,809 هويات مقدسية بين عامي 1967 و2024، استناداً إلى ما يعرف بمعيار «مركز الحياة» الذي كرسته المحكمة العليا الإسرائيلية عام 1988، والذي يسمح بسحب الإقامة من الفلسطينيين الذين يقيمون لفترات خارج حدود البلدية، حتى لو كان ذلك لأسباب تتعلق بالدراسة أو العمل أو الزواج.
وتوضح الدراسة أن الفلسطينيين في القدس الشرقية لا يُعاملون كمواطنين، بل كمقيمين دائمين وفق قانون الدخول إلى إسرائيل لعام 1952، وهي مكانة قانونية قابلة للسحب في أي وقت، كما ساهم قانون المواطنة والدخول إلى إسرائيل لعام 2003 في تقييد لمّ شمل العائلات الفلسطينية ومنع الحصول على الإقامة أو الجنسية عبر الزواج، ما دفع آلاف العائلات إلى العيش في أوضاع قانونية غير مستقرة.
وحتى تشرين الأول 2024، حصل 13,550 شخصاً فقط على وضع قانوني عبر طلبات لمّ الشمل، توزعت بين إقامة دائمة وإقامات مؤقتة قابلة للتجديد.
أما على مستوى الأرض، فتشير الدراسة إلى أن 35% من مساحة القدس الشرقية صودرت منذ الاحتلال باستخدام قوانين تعود إلى حقبة الانتداب البريطاني، فيما صنفت 52% من الأراضي كمناطق خضراء يمنع البناء الفلسطيني فيها، ليبقى نحو 13% فقط متاحاً للبناء والتوسع السكاني الفلسطيني.
وتلفت الدراسة إلى أن حدود بلدية القدس توسعت بعد عام 1967 بصورة استهدفت ضم أكبر مساحة ممكنة من الأراضي مع استبعاد أكبر عدد ممكن من الفلسطينيين، عبر إدخال أراضي 28 قرية وبلدة عربية ضمن الحدود الجديدة دون ضم كثافتها السكانية بالكامل، هذه السياسات انعكست مباشرة على قطاع الإسكان، حيث وثقت الدراسة هدم 2,124 مبنى في القدس الشرقية المحتلة بين عامي 2009 و2025، مستندة إلى بيانات أممية وفلسطينية.
وتؤكد أن عشرات آلاف الفلسطينيين يعيشون تحت تهديد دائم بفقدان منازلهم بسبب نظام تخطيط وترخيص تصفه الدراسة بأنه شبه مغلق أمام المقدسيين، الأمر الذي دفع نسبة واسعة منهم للبناء دون تراخيص. وتقدّر الدراسة أن ما بين 86,500 و130 ألف فلسطيني معرضون لخطر هدم منازلهم أو فقدانها.
وفي قطاع التعليم، ترصد الدراسة تحولاً متسارعاً نحو المنهاج الإسرائيلي، إذ ارتفع عدد الطلبة الفلسطينيين الملتحقين بمدارس تعتمد «البجروت–شهادة الثانوية العامة (التوجيهي)» من ألف طالب فقط عام 2012/2013 إلى 16,808 طلاب في العام الدراسي 2022/2023.
كما ازداد عدد المدارس التي تدرّس المنهاج الإسرائيلي من 54 إلى 95 مدرسة خلال عام واحد فقط، في إطار خطط حكومية إسرائيلية خصصت مئات ملايين «الشواقل» لدعم المدارس التي تعتمد هذا المنهاج.
وتشير الدراسة إلى أن ما يقارب نصف الطلبة الفلسطينيين باتوا يدرسون ضمن مؤسسات تديرها مباشرة وزارة المعارف الإسرائيلية وبلدية القدس.
اقتصادياً، تصف الدراسة واقع القدس الشرقية بأنه من بين الأكثر هشاشة، إذ يعيش 78% من الفلسطينيين تحت خط الفقر، وترتفع النسبة بين الأطفال إلى 84%.
ورغم أن قطاع الخدمات والسياحة يشكلان العمود الفقري لاقتصاد المدينة، إلا أن سلطات الاحتلال تسيطر على المعابر والبنية التحتية والتراخيص، ما يجعل الاقتصاد الفلسطيني في حالة تبعية دائمة.
وفي المجال الصحي، تشير الدراسة إلى أن المستشفيات الفلسطينية السبعة العاملة في القدس الشرقية تأسست جميعها قبل عام 1967، وما تزال تتحمل عبئاً رئيسياً في تقديم الرعاية الصحية للفلسطينيين من الضفة الغربية وقطاع غزة، رغم ما تواجهه من أزمات مالية ونقص في الأدوية والكفاءات الطبية. كما تتحدث الدراسة عن ما تسميه «التدخل الناعم» عبر برامج وخطط إسرائيلية اجتماعية وصحية تهدف إلى تعزيز ارتباط السكان بالمؤسسات الإسرائيلية، بالتوازي مع إضعاف المؤسسات الفلسطينية، بما في ذلك الإجراءات التي استهدفت مرافق وكالة وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في القدس.
وعلى المستوى القانوني الدولي، تستعرض الدراسة سلسلة من القرارات والاتفاقيات التي تؤكد عدم شرعية الاستيطان والإجراءات الإسرائيلية في القدس الشرقية، بدءاً من اتفاقية اتفاقية جنيف الرابعة وصولاً إلى قرارات مجلس الأمن الدولي ومحكمة محكمة العدل الدولية، بما في ذلك الرأي الاستشاري الصادر عام 2024 الذي اعتبر السياسات الإسرائيلية في القدس الشرقية شكلاً من أشكال الضم غير القانوني، إلا أن الدراسة تشير إلى فجوة واضحة بين الموقف القانوني الدولي والواقع الميداني، حيث استمر التوسع الاستيطاني بوتيرة متصاعدة رغم الإجماع الدولي على عدم شرعيته.
وتخلص الدراسة إلى أن السياسات الإسرائيلية في القدس الشرقية قامت على منظومة متكاملة تجمع بين التهويد والأسرلة والتهجير والعزل، مستندة إلى شبكة من القوانين والإجراءات التي أعادت تشكيل المدينة ديمغرافياً وجغرافياً واقتصادياً. وبعد ما يقارب ستة عقود على الاحتلال، تبدو القدس الشرقية، وفق أرقام الدراسة، مدينة مختلفة جذرياً عن تلك التي احتلت عام 1967؛ مدينة تضم مئات آلاف المستوطنين، وآلاف الهويات الملغاة، وآلاف المنازل المهدمة، فيما يعيش معظم سكانها الفلسطينيين تحت خط الفقر وفي مواجهة دائمة مع خطر فقدان السكن أو الإقامة أو الهوية.