جذرت " التعليلة الكركية " في سالف الأزمان للموروث التراثي والثقافي والاجتماعي للمكان والإنسان الغني بالقيم والأصالة، فكان الناس يجتمعون في بيت احدهم ويمضون الليلة بسماع الشعر والحكايات المتوارثة وقصص البطولة من متقدي الذاكرة ومن أصحاب القدرة على سرد الوقائع إلى جانب التداول في الجوانب الاجتماعية العامة .
ومع مرور الأزمنة وتغلغل الحداثة في مختلف مفاصل الحياة اليومية تلاشت تلك التعاليل وأصبحت نسج من الذاكرة ،وحرصا من مديرية ثقافة الكرك على إعادة إحياء هذا الموروث دأبت ومنذ سنوات على تنفيذ برنامج ثقافي تراثي يُقام شهريًا تحت مسمى "تعاليل كركية" تعقد خلاله جلسات شعبية غير مؤطرة بمكان تستقصي أرجاء الكرك تجمع مختلف أطياف المجتمع وتتيح لكل مثقف ومتبصر بالإدلاء بدلوه بما تختزن الذاكرة عن العادات والتقاليد الأصيلة، والحكايات القديمة، والتراث غير المادي، وربط ذاكرة المكان بالأجيال الشابة، بما يسهم في إبراز التنوع الثقافي والمحافظة على الذاكرة الشعبية الأردنية ، وترسيخ مفاهيم السردية الأردنية التي تستند إلى الموروث الثقافي والهوية الوطنية الجامعة.
واستقصت التعليلية الكركية " التي نظمتها مديرة الثقافة بالتعاون مع جمعية خشم العقاب للتنمية المجتمعية تحت عنوان "سواليف زمان" واحتضنتها قرية عينون التراثية القديمة القابعة جنوب غرب مدينة الكرك واقيمت في " نزل بيت جدي "بحضور عدد من المهتمين بالشأن الثقافي والتراثي وأبناء المجتمع المحلي "،ماضي الكرك والقرية بكل تجلياته وقيمه وتقاليده الأصيلة وأبعاده التاريخية والحضارية والثقافية والسياحية والإنسانية.
وقالت مساعد امين عام وزارة الثقافة ،مديرية ثقافة محافظة الكرك عروبة الشمايلة ل" الرأي"، لم تكن “التعليلة” في الكرك مجرد جلسة عابرة في المساء، بل كانت عادةً اجتماعية تحمل دفء المكان وروح الناس ،فعند أبواب البيوت وفي ساحاتها، كان الأهالي يجتمعون بعد يومٍ طويل، تتوسطهم القهوة العربية فتُحكى القصص، وتُستعاد المواقف والذكريات، في صورةٍ تعبّر عن البساطة والمحبة التي عُرف بها الأجداد.
وزادت كانت التعليلة مساحةً للكلمة الطيبة، والغناء الشعبي، وتبادل الخبرات والحكايات، ومناسبةً تُعزّز روح القرب والتواصل بين الناس. واليوم، تأتي “تعليلة: عينون… سواليف زمان” لتُعيد هذا المشهد بروحٍ معاصرة تُحافظ على أصالته، وتُعرّف الأجيال الجديدة بجمال التفاصيل التي صنعت ذاكرة المكان من خلال تقديم التراث الاجتماعي بصورةٍ حيّة، تُظهر قيمة الحكاية الشعبية، وأهمية اللقاءات التي شكّلت جزءا من حياة الناس اليومية عبر السنوات.
وختمت بالقول ليست التعليلة مجرد فعالية بل محاولة للحفاظ على جزءٍ حيّ من الهوية الثقافية والاجتماعية، واستذكار زمنٍ كانت فيه الحكاية تجمع الناس، وكانت التعليلة عنواناً للألفة والبساطة وصدق العلاقات.
وقال ميسّر التعليلة الإعلامي أحمد الكركي أن مثل هذه التعاليل تمثل مشروعًا وطنيًا وثقافيًا مهمًا في حفظ الذاكرة الأردنية، لأنها تنقل الحكاية من أفواه الناس مباشرة، وتُجسّر العلاقة بين الشباب والموروث الشعبي ،مشيرا الى ان السردية الأردنية لا تُوثق فقط في الكتب، بل في القصة والقصيدة والربابة وتفاصيل الحياة اليومية التي عاشها الآباء والأجداد.
وتضمنت التعليلة أحاديث متنوعة أعادت للأذهان تفاصيل الحياة اليومية في زمن الطيبين، حيث تحدث رئيس جمعية خشم العقاب عصام الضمور عن أهمية توثيق السردية المحلية والسردية الأردنية ودور الجمعيات الثقافية في دعم التراث والموروث الشعبي.أهمية الشراكة بين المؤسسات الثقافية والمجتمع المحلي.
وسرد الحاج التسعيني محمود المحادين تاريخ قرية عينون وطريقة بناء البيوت قديما وعن قيم الكرم والأمانة ومساعدة المحتاج وعن عادات وتقاليد أهله القرية قديمًا في الأفراح والأعياد معرجا على ذكرياته كأحد أوائل الطلبة الذين درسوا في مدرسة القرية.
وقدم عبد الوهاب العمرو قصيدة تراثية مرتبطة بحكاية شعبية مبرزا دور الشعر الشعبي في توثيق الموروث ونقل مشاعر الناس وهمومهم ،كما تطرق في حديثة عن المخزون الثقافي والتراثي في الكرك.
وألقى الشيخ عوض الطراونة قصائد شعبية قديمة كما تحدث عن العديد من القصائد التي وثّقت مواقف سياسية واجتماعية ودور الشعر الشعبي في التعبير عن هموم الناس وقضاياهم وعن الحكايات الشعبية المرتبطة بالعادات والتقاليد.
كما اشتملت التعليلة على فقرات فنية ثراثية قدمها عازف الربابة صلاح الشمايلة عبرت عن أصالة الموروث الكركي، وسط تفاعل لافت من الحضور الذين أكدوا أهمية هذه الفعاليات في نقل التراث للأجيال الجديدة وتعزيز ارتباطهم بتاريخهم وهويتهم الوطنية