في صبيحة يوم حار من صيف عام 2023، تصاعدت أعمدة الدخان من غابات برقش شمال الأردن، لتعيد إلى الأذهان مشهداً مأساوياً يتكرر سنوياً؛ أشجار تلتهمها النيران، وغطاء نباتي يذوي بصمت، معلناً عن نزيف مستمر في واحدة من أثمن الثروات الوطنية.
هذا المشهد هو تجسيد لواقع الثروة الحرجية في المملكة، التي لا تتجاوز مساحتها 1% من إجمالي مساحة الأردن، بواقع 900 ألف دونم فقط وفقاً لبيانات وزارة الزراعة والبنك الدولي. وتمثل هذه المساحة الضئيلة من الغابات الطبيعية والاصطناعية خط الدفاع الأخير أمام زحف التصحر الذي يهدد نحو 75% من أراضي المملكة، مما يضعنا أمام تساؤل ملح حول إرادة إنقاذ ما تبقى من هذه الرئة الوطنية المثقلة بالجراح.
ويشير الخبير في الأمن الغذائي، الدكتور فاضل الزعبي، الى " الرأي" أن أحدث البيانات تظهر أن الغطاء النباتي الكلي في الأردن لا يشكل سوى 3.7% من مساحة البلاد، تشكل الأشجار منه 63.7%.
وبحسب تقارير منظمة الأغذية والزراعة (الفاو)، فقد الأردن نحو ثلث غاباته الطبيعية خلال الثلاثين عاماً الماضية، بمعدل انحسار سنوي يبلغ 1.6%. وتتركز هذه الغابات في المناطق الشمالية الغربية، خاصة في عجلون وجرش وعمان، حيث تسود أنواع متوسطية كالبلوط والصنوبر والبطم، وتضم محميات غنية مثل محمية غابات عجلون التي أُعلنت محمية محيط حيوي من "اليونسكو" عام 2025، ومحمية دبين التي تعد آخر موائل الصنوبر الحلبي الطبيعي في المنطقة.
لكن هذه المساحات المحدودة تواجه ضغوطاً هائلة؛ إذ سجلت دائرة الإحصاءات العامة لعام 2024 وقوع 55 حريقاً في المناطق الحرجية، أتت على نحو 6132 دونماً وألحقت أضراراً بـ 4168 شجرة، احترق 38% منها بالكامل. والأخطر من ذلك أن 95% من هذه الحرائق سببها التدخل البشري المباشر، سواء بالإهمال أو بفعل فاعل، وفق تأكيدات رئيس جمعية التنمية للإنسان والبيئة الأردنية الدكتور أحمد الشريدة.
وتتجاوز أهمية هذه الثروة كونها مساحات خضراء، فهي تؤدي أدواراً حيوية في حماية التربة وتنظيم الدورة المائية، حيث تمد مساقط المياه الحرجية العالم بنحو 75% من المياه العذبة، وتساهم في الأردن بحماية السدود من الطمي وتثبيت التربة.
وعلى الصعيد المناخي، تعمل الغابات كمصارف طبيعية للكربون، وتزداد أهميتها في ظل التوقعات المناخية التي تشير إلى انخفاض معدلات الأمطار بنسبة قد تصل إلى 47% وارتفاع الحرارة بمعدل قد يصل إلى 3.2 درجة مئوية بحلول عام 2100. كما تشكل الغابات رافداً للسياحة البيئية يدعم المجتمعات المحلية، وتضم تنوعاً حيوياً فريداً يتجاوز 575 نوعاً من النباتات في محمية عجلون وحدها، إضافة إلى حيوانات كالسنجاب الفارسي والأيل الأسمر الذي أعيد توطينه.
وتساهم أيضاً في تحسين جودة الهواء بامتصاص الملوثات، وهو ما تؤكد عليه وزارة البيئة في رؤيتها للصحة العامة.
ورغم هذه الأهمية، تواجه الغابات تحديات متشابكة، أبرزها التوسع العمراني مع تجاوز سكان الأردن 12 مليون نسمة، مما يضغط على الأراضي الحرجية. وإلى جانب الحرائق، يبرز التحطيب الجائر والرعي غير المنظم، حيث ضبطت وزارة البيئة 30 طناً من الأخشاب غير القانونية في موسم شتاء واحد. ويشير الخبراء إلى ضعف مؤسسي ومالي في إدارة هذا الملف، فبينما بلغت ميزانية أحد مشاريع مكافحة الحرائق 100 ألف دولار فقط، تُقدر تكلفة مواجهة التصحر بنحو 9.5 مليار دولار.
وفي الوقت الذي أطلقت فيه الحكومة مبادرة "زراعة 10 ملايين شجرة خلال 10 سنوات" وأدخلت تقنيات كالدرونز، يبقى السؤال حول كفاية هذه الحملات أمام معدلات الفقد المتسارعة ونقص الرعاية اللاحقة للأشجار المزروعة.
كما تبرز إشكالية التنسيق بين وزارات الزراعة والبيئة والداخلية والجمعية الملكية لحماية الطبيعة، مما قد يؤدي لتداخل الصلاحيات. وتتطلب المرحلة القادمة استراتيجية وطنية تمتد لثلاثين عاماً تدمج الاعتبارات البيئية في التخطيط الاقتصادي، وتعزز دور المجتمعات المحلية كشريك في الحماية من خلال حوافز اقتصادية وعوائد السياحة البيئية.
إن حماية ما تبقى من غابات الأردن ليست رفاهية، بل هي ضرورة وجودية مرتبطة بالأمن المائي والغذائي. ويتطلب ذلك تعزيز الرقابة التكنولوجية، وتشديد العقوبات عبر محاكم بيئية متخصصة، والتحول نحو "التشجير الذكي" باختيار أنواع محلية مقاومة للجفاف كالخروب والبطم، مع زيادة المخصصات المالية في الموازنة العامة. فالغابة تمثل رئة الوطن، وحمايتها مسؤولية جماعية تتطلب سياسات تنفذ وعقولاً تتغير لضمان استدامة هذا الإرث للأجيال القادمة.