على وقع الأغاني الشعبية والزغاريد الفلسطينية، تحوّل مساء المناطق الغربية في مدينة غزة، الاثنين، إلى مساحة فرح استثنائية، ضمن احتفالات عرس جماعي لـ100 عريس وعروس نظمته هيئة الإغاثة الإنسانية التركية (IHH)، في محاولة لرسم البسمة على وجوه أنهكتها الحرب الإسرائيلية على القطاع.
الحفل حمل اسم "يد تمسح دمعة"، حيث امتلأت ساحة الزفاف المقامة قرب ساحة الكتيبة غرب المدينة، بالأعلام الفلسطينية والزينة، فيما اصطف العرسان ببدلاتهم الرسمية وسط أجواء امتزجت فيها مشاعر الفرح بالحزن، في ظل فقدان عدد منهم لعائلاتهم خلال حرب الإبادة الإسرائيلية.
وعلى مدار عامين منذ 8 أكتوبر/ تشرين الأول 2023، ارتكبت إسرائيل حرب إبادة جماعية خلفت أكثر من 72 ألف قتيل وما يزيد عن 172 ألف جريح فلسطينيين، فضلا عن معاناة إنسانية يفاقمها الحصار المشدد والتنصل الإسرائيلي من تنفيذ ما نص عليه اتفاق وقف النار الساري منذ أكتوبر 2025.
وشاركت فرق الدبكة الشعبية الفلسطينية في إحياء الحفل، حيث علت أصوات الطبول والأهازيج التراثية، بينما التف الأطفال والنساء حول العرسان يصفقون ويرددون الأغاني الشعبية، في مشهد أعاد للحاضرين شيئاً من الحياة التي غيّبتها الحرب.
كما تخلل الحفل فقرات فنية وتراثية، إلى جانب تقديم مساعدات وهدايا للعرسان من هيئة الإغاثة الإنسانية التركية، شملت مستلزمات أساسية لمساعدتهم على بدء حياتهم الجديدة، في ظل الظروف الاقتصادية والإنسانية الصعبة التي يعيشها قطاع غزة.
ويعيش 1.9 مليون نازح في قطاع غزة، من أصل 2.4 مليون نسمة، أوضاعا إنسانية كارثية جراء حرب الإبادة الإسرائيلية التي استمرت لعامين، وخلفت دمارا هائلا طال 90 بالمئة من البنى التحتية المدنية، بما فيها قطاعات الصحة والتعليم والإسكان والاقتصاد.
فرح وتمسك بالحياة
وقال ممثل الإغاثة التركية في غزة، أشرف يلماز: "نحن سعداء اليوم بزفاف 100 عريس وعروس في مدينة غزة، لنعزز صمود هذه العائلات ونبني عائلات جديدة في غزة التي تستحق الحياة والفرح بعد هذه الحرب المدمرة".
وأضاف يلماز، لمراسل الأناضول، أن الهيئة "لن تدخر جهدًا في دعم الشعب الفلسطيني في قطاع غزة بكافة المجالات، من أجل التخفيف من معاناته وتعزيز صموده".
من جهته، قال رئيس بلدية غزة يحيى السراج، إن هذه اللحظات "تؤكد إصرار الشعب الفلسطيني على الفرح والتمسك بحقه بالحياة رغم الحرب والدمار".
وأضاف للأناضول: "اليوم ننتزع هذه اللحظات الجميلة لنعلن عن تأسيس 50 بيتاً فلسطينياً جديداً، ولنثبت بقاؤنا هنا رغم كل محاولات التهجير".
وشكر هيئة الإغاثة التركية على دعمها لهذه المجموعة من الشبان ومساعدتهم في تكوين وبناء عائلات فلسطينية جديدة، بعد مقتل آلاف من العائلات في حرب الإبادة الجماعية.
فرح رغم الفقد
وفي إحدى زوايا الحفل، جلست العروس فايقة أبو زيدة، تتأمل العرسان والأطفال حولها، وقالت للأناضول: "الحرب غيّرت كل شيء في حياة الفلسطينيين، حتى طقوس الفرح والأعراس".
وأضافت والفرحة ترتسم على وجهها: "كنا ننتقل في الأعراس من بيت إلى بيت، واليوم نخرج من خيمة إلى خيمة، لكن هيئة الإغاثة التركية اليوم أعادت لنا شيئاً من الفرح".
ولم تغب المأساة عن أجواء الحفل، إذ قال الفلسطيني جمال حوسو، جد أحد العرسان، إن حفيده فقد والديه وإخوته الثمانية خلال الحرب، ولم ينجُ سوى هو بإصابة في يده.
وأضاف للأناضول بصوت متأثر ووجه حزين: "نحاول أن نُفرحه ونخفف عنه الألم، رغم الجرح الكبير الذي يحمله داخله".
أما العريس محمد حوسو، الناجي الوحيد من عائلته، فقال للأناضول: "فقدت أسرتي كاملة في الأيام الأولى للحرب، وأصبت بجروح خطيرة مكثت على إثرها شهراً في المستشفى".
وأضاف: "مهما كانت الجراح والألم، نحاول أن نفرح ونكمل الحياة".
ويتزامن تنظيم هذا الحفل وسط استمرار الخروقات الإسرائيلية لاتفاق وقف إطلاق النار، بقصف وإطلاق نار ونسف منازل، ما أسفر عن مقتل وإصابة مدنيين.
وارتفعت حصيلة ضحايا الخروقات الإسرائيلية للاتفاق منذ سريانه إلى "854 شهيدا و2453 مصابا"، كما انتُشل 770 جثمانا من بين الركام والشوارع، وفق وزارة الصحة الفلسطينية في غزة.
ولأكثر من مرة، حذرت تقارير فلسطينية ودولية من خطورة استمرار الحصار والقيود الإسرائيلية على المعابر، وانعكاسات ذلك على الواقع الإنساني في القطاع وصحة الفلسطينيين.