تشكل الغابات في الأردن ثروة وطنية وبيئية فريدة، إلا أنها باتت تواجه تحديات جسيمة تهدد ديمومتها وتوازنها الحيوي.
وتعد الحرائق من أبرز الأخطار التي تلتهم المساحات الخضراء، حيث يتجاوز أثرها تفحم الأشجار ليصل إلى تدمير الموائل الطبيعية للنباتات الطبية والطيور، وزيادة انجراف التربة، ما يعمق أزمة التوازن البيئي في ظل مساحة غابية محدودة لا تتجاوز 1% من إجمالي مساحة المملكة.
وكشفت البيانات الصادرة عن دائرة الإحصاءات العامة لعام 2024 عن تصاعد ملحوظ في وتيرة النيران داخل المناطق الحرجية. فقد سجلت النشرة وقوع 55 حريقاً خلال العام، أدت إلى تضرر نحو 4168 شجرة، منها 38% تعرضت للاحتراق الكامل. كما امتدت ألسنة اللهب لتطال مساحات شاسعة بلغت 6132 دونماً، مما يضع الغطاء النباتي أمام تهديد حقيقي يستوجب تحركاً عاجلاً للحد من هذه الخسائر.
وفي تحليل لمسببات هذه الأزمة، أكد الدكتور أحمد الشريدة، رئيس جمعية التنمية للإنسان والبيئة الأردنية، أن الغالبية العظمى من الحرائق، بنسبة تصل إلى 95%، هي ناتجة عن تدخل بشري مقصود أو إهمال، وليست مرتبطة بالعوامل المناخية.
وأوضح الشريدة أن الحرائق التي تندلع في أعماق الغابات، مثل برقش ووادي الشامية، غالباً ما تكون متعمدة لأهداف استثمارية أو تجارة الحطب غير القانونية.
وحذر الدكتور الشريدة من أن الغابة تمثل رئة الوطن، مشيراً إلى أن النيران تقضي على التنوع الحيوي والنباتات الطبية. ودعا إلى ضرورة تبني حلول عصرية تشمل استخدام الطائرات المسيرة (الدرونز) وتقنيات الاستشعار عن بعد للرقابة المبكرة، مع ضرورة تشديد العقوبات القانونية على المعتدين.
كما أثنى على توجهات وزارة الزراعة في زراعة الأصناف الوطنية مثل الخروب، مشدداً على أهمية المبادرات المجتمعية كاستخدام "كرات البذور الطينية" لإعادة استزراع المساحات المتضررة.
من جانبه، استعرض مدير محمية غابات دبين، بشير العياصرة، واقع الحال في المحمية، مشيراً إلى أن الموسمين الأخيرين شهدا حرائق سطحية محدودة طالت نحو 6 دونمات. وأبدى العياصرة تخوفه من زيادة مخاطر الحرائق في العام الحالي نتيجة الأمطار الغزيرة التي أدت إلى نمو غطاء نباتي كثيف سيتحول إلى مادة سريعة الاشتعال مع حلول فصل الصيف.
وشدد العياصرة على أن الأساليب التقليدية في المكافحة لم تعد كافية، داعياً إلى إدخال التكنولوجيا الحديثة مثل الدرونز وفتح خطوط نار جديدة وتوفير نقاط تزويد مياه متقدمة. وأكد على أهمية التعاون المستمر مع مديرية زراعة جرش والدفاع المدني، لافتاً إلى أن حماية الغابات هي مسؤولية مشتركة تبدأ من وعي الزائر والمجتمع المحلي، خاصة وأن معظم الحرائق تنجم عن ممارسات بشرية خاطئة أثناء التنزه.