شهدت سلالات طيور حمام بلاد الشام في الأردن تحوّلاً دراماتيكياً في قيمتها السوقية خلال السنوات الأخيرة، بعد أن كانت تُعد من أغلى الهوايات وأكثرها تميزاً، لتتراجع أسعارها بشكل حاد عقب جائحة كورونا، وفق ما أكده رئيسُ لجنة صياغة الأسس والمعاييرِ الحاكمة لاحتساب درجات الجمَال المِثالي لسلالات طيور حمام بلاد الشام الحديثة والكلاسيكية، ورئيس جمعية الخبراء لتدريب واعتماد حكام طيور الحمام وطيور الزينة ورئيس الاتحاد الأردني لجمعيات مربي طيور الحمام والزينة، الحكم الدولي ناصر موسى الهندي .
وقال الهندي إن هذه السلالات، التي ارتبطت تاريخياً بهواة النخبة ووصفت بـ“هواية السلاطين والأغوات”، كانت تسجل قبل الجائحة أرقاماً قياسية، حيث تراوحت أسعار الزوج الواحد بين 5 آلاف و20 ألف دينار، فيما وصل سعر بعض الأزواج النادرة إلى نحو 30 ألف دينار، في ظل طلب مرتفع ومنافسة قوية بين المربين. وأضاف أن القيمة لم تكن حكراً على الذكور، إذ سجلت بعض الإناث أرقاماً لافتة، من بينها أنثى من سلالة “البغدادي” البيضاء المعروفة باسم “جواهر”، والتي بلغ سعرها نحو 17 ألف دينار، لما تتمتع به من خصائص جمالية ووراثية نادرة.
إلا أن هذا الواقع تغيّر بشكل جذري مع تفشي جائحة كورونا، التي شكلت نقطة تحول قاسية في السوق، إذ أدى تراجع القدرة الشرائية، وتوقف المعارض، وتعطل حركة السفر والتصدير، إلى انكماش السوق داخل نطاق محلي محدود، رافقه ارتفاع في المعروض نتيجة زيادة الإنتاج خلال فترات الإغلاق، ما تسبب بانهيار الأسعار. وبيّن الهندي أن الزوج الذي كان يُباع بنحو 20 ألف دينار، بات اليوم لا يتجاوز 5 آلاف دينار في أفضل الحالات، وأحياناً أقل من ذلك بكثير.
وأوضح أن هذا التراجع لم يكن نتيجة عامل واحد، بل جاء نتيجة تظافر عدة ظروف اقتصادية ولوجستية، أبرزها الأثر الاقتصادي للجائحة على دخول الأفراد، وغياب المعارض التي كانت تمثل محركاً رئيسياً للسوق، إلى جانب القيود على التنقل التي حدّت من وصول المشترين من الخارج، فضلاً عن ارتفاع تكاليف الأعلاف والرعاية البيطرية، ما دفع العديد من المربين إلى البيع بخسائر لتفادي تفاقم الأعباء.
وكشف الهندي أن خسائره الشخصية خلال هذه الفترة تجاوزت نصف مليون دينار، مشيراً إلى أن هذه الخسائر طالت عدداً كبيراً من المربين في الأردن، وأدت إلى فقدان جزء من السلالات النادرة، رغم استمرار الجهود للحفاظ على ما تبقى منها ومنع اندثارها.
واستعرض الهندي جانباً من تجربته الممتدة لأكثر من أربعة عقود، لافتاً إلى أنه استثمر ما يزيد على مليون دولار خلال خمس سنوات لنقل سلالات نادرة من سوريا إلى الأردن بعد اندلاع الأزمة السورية، بهدف حمايتها والحفاظ على جيناتها، حتى بات الأردن بمثابة مركز أو “بنك جيني” لهذه السلالات. كما أسهم في تنظيم 3 معارض دولية في عمّان بين عامي 2014 و2016، استقطبت خبراء ومربين من مختلف الدول، وأسهمت في ترسيخ مكانة الأردن كمحطة عالمية لهواة تربية الحمام.
وفي مواجهة التراجع الحالي، شدد الهندي على ضرورة إعادة إحياء هذا القطاع من خلال دعم المربين، واستقطاب فئة الشباب، وإعادة تنظيم المعارض تحت مظلة رسمية، إلى جانب العمل على توحيد المعايير الجمالية للسلالات عبر مرجع علمي جديد يجري الإعداد له. وأكد أن الحفاظ على سلالات حمام بلاد الشام لا يرتبط فقط بالجانب الاقتصادي، بل يمثل جزءاً من صون إرث حضاري وثقافي عريق، داعياً إلى استعادة الزخم الذي جعل من الأردن مركزاً بارزاً في هذا المجال.