لم يعد موقع الطالب داخل الغرفة الصفية تفصيلا عابرا في المشهد التعليمي، بل بات عاملا مؤثرا قد يعيد تشكيل مسار التحصيل الدراسي بشكل ملحوظ – وفق ما اكده التربوي قيصر الغرايبة –.
وفي هذا السياق، اوضح الغرايبة، في حديث ل"الراي" أن الاعتقاد السائد بحصر التفوق في الذكاء والاجتهاد لم يعد كافيا لتفسير الفروق بين الطلبة، مشيرا إلى أن “هندسة الصف” نفسها تلعب دورا خفيا لكنه عميق الأثر في جودة التعلم.
واشار الغرايبة إلى ما تعرف تربويا بـ”منطقة الفعل”، وهي المساحة التي تضم المقاعد الأمامية والوسطى المواجهة للمعلم، حيث يحظى الطلبة فيها ببيئة أكثر تركيزا وانخراطا.
وبين أن القرب من المعلم لا يقتصر على البعد المكاني، بل ينعكس على وضوح استقبال المعلومة وتقليل الجهد الذهني المبذول في متابعتها، ما يمنح الطالب فرصة أفضل للفهم والتحليل.
واضاف أن هذا الموقع يسهم في تحفيز الطلبة، خصوصا الخجولين أو ذوي التحصيل المتدني، على المشاركة، نتيجة سهولة تواصل المعلم معهم وإشراكهم في التفاعل الصفي.
في المقابل، لا يخفي الغرايبة التحديات المرتبطة بالجلوس في الصفوف الخلفية، لافتا إلى أنها قد تتحول – في بعض البيئات الصفية – إلى مساحات أقل اندماجا، بسبب تزايد المشتتات البصرية وضعف التفاعل المباشر مع المعلم.
كما اشار إلى أن بعض الطلبة قد يتخذون من هذه المقاعد ملاذا لتجنب المشاركة، ما يعمق فجوة التحصيل بينهم وبين غيرهم.
و-بحسب الغرايبة-، فإن التعامل مع ترتيب المقاعد يجب أن يتجاوز البعد التنظيمي، ليصبح جزءا من الاستراتيجية التعليمية داخل الصف.
واكد أن تحقيق العدالة بين الطلبة يمر عبر ممارسات عملية، مثل التدوير المنتظم لأماكن الجلوس، واعتماد أنماط صفية مرنة تلغي الفوارق التقليدية، إلى جانب تعزيز حركة المعلم داخل الغرفة الصفية.
وذهب بأن “المكان” داخل الصف ليس محايدا كما يبدو، بل قد يكون عاملا فاصلا في تقريب الطالب من فرص التفوق أو إبعاده عنها، ما يستدعي إعادة التفكير في واحدة من أبسط تفاصيل البيئة التعليمية وأكثرها تأثرا.
وبحسب دراسة قامت بها جامعة توبنغن الألمانية، فإن التلاميذ في الصف الأمامي يتعلمون بشكل أفضل مقارنة مع زملائهم الذين يجسلون في الخلف.
واعتمد الباحثون في هذه الدراسة على 81 تلميذة وتلميذ من الصفين الخامس والسادس. وأجريت التجربة داخل فصول افتراضية تم إنشاؤها لإنجاز هذه التجربة.
واستعان الباحثون بنظارات الواقع الافتراضي، حيث وضع التلاميذ واختاروا من خلالها الجلوس في مقعد أمامي قرب المعلم أو في مقعد بالصف الأخير، والنتيجة كانت ـ حسب الباحث فريدريك بلوم من فريق البحث ـ أن الطلاب في الصفوف الأمامية كانوا يحلون تمارين الرياضيات بشكل أسرع مقارنة مع زملائهم في الصف الخلفي.