يستمدّ القاضي سمعته وثقته واحترامه من خلال التزامه الصادق بتطبيق القانون، ويُعدّ حياد القاضي مبدأً ثابتًا من مبادئ العدالة التي تُظهر قدرته على تحقيقها. كما أن الترفّع والابتعاد عن التأثر بالضغوط من بعض الجهات ذات العلاقة يُعدّان من التحديات التي قد يواجهها القاضي في المحاكم الكنسية، وذلك بسبب طبيعة الوجود المسيحي في بلادنا من حيث النسبة العددية الأقل مقارنةً بعدد السكان عمومًا.
هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن السلطة التقديرية الواسعة الممنوحة لعمل القاضي الكنسي، نتيجة صعوبة الحصول على الأدلة داخل جدران الأسرة في معظم الحالات، تجعله في كثير من الأحيان أمام معادلة صعبة بين تطبيق نصوص القانون والتمسك بقواعد العدالة الإنسانية، الأمر الذي يستدعي تعديل التشريعات الكنسية بين الحين والآخر.
إن الأساس الذي يُبنى عليه اتخاذ القرارات في جميع الأحوال هو عقد جلسات ومداولات معمّقة لقضاة الاستئناف، تتناول البحث في ما هو أفضل، بل وتمتد لمناقشة كل ما يتعلق بالحالة أو الدعوى من نقاط قانونية وبحثية مشابهة على الصعيدين الوطني والدولي، باعتبار أن التشريعات الكنسية هي جزء لا يتجزأ من النسيج التشريعي الوطني الأردني، بما في ذلك المعايير الدولية التي انضمّ إليها الأردن، وذلك للخروج بأفضل القرارات والنتائج بما يحقق مصلحة الأسرة ككل.
إن تعيين قضاة المحاكم الكنسية يتم من خلال تطبيق قانون مجالس الطوائف المسيحية لعام (2014)، وهو القانون الكنسي العام الوحيد الذي يُطبّق على جميع المسيحيين في المملكة، والذي يتم من خلال نصوصه تحديد آلية تعيين القضاة الكنسيين من رجال الدين والعلمانيين، أي القضاة المدنيين.
فالمادة (3/7) تحديدًا تنص على شروط التعيين من حيث الخبرة الزمنية؛ فقاضي الاستئناف، على سبيل المثال، يجب أن يحظى، بالإضافة إلى شروط تتعلق بحسن السيرة والسمعة، بأن يكون قد عمل محاميًا أستاذًا مدة لا تقل عن عشر سنوات، حتى يتولى هذا المنصب، باعتبار أن هؤلاء القضاة هم بمثابة رأس الهرم في التسلسل القضائي الكنسي في الأردن.
من هنا جاء تعيين اثنين من القضاة الكنسيين المدنيين في محكمة الاستئناف للروم الأرثوذكس في حزيران لعام (2000)، أحدهما من النساء، لتكون كرستين فضول المرأة الأولى التي تشغل هذا المنصب في تاريخ مملكتنا الحبيبة.
وجاء التعيين ثمرة لخبرة عملية زمنية في مجال المحاماة كما نصّ عليه القانون المشار إليه أعلاه، بالإضافة إلى خبرة عملية مهنية في المجال الكنسي لمدة لا تقل عن عشرين عامًا، فضلًا عن الخبرة في مجال حقوق الإنسان مع التركيز على حقوق الأسرة، مثل حقوق المرأة والطفل، ليشكّل هذا التعيين إضافة نوعية ذات قيمة علمية وعملية ومهنية متخصصة لما فيه مصلحة الأسرة ككل.
إن تعيين هيئة قضاة محكمة الاستئناف الأرثوذكسية، المشكلة من أربعة قضاة؛ اثنان من رجال الدين المشهود لهم بالخبرة والخدمة الكهنوتية المميزة والمعروفة لدى الرعية، بالإضافة إلى اثنين من القضاة المدنيين، جاء ليؤكد أن العدالة على الأرض هي جزء من العدالة في السماء، خاصة وأن التشريعات الكنسية تستمد أحكامها من الكتاب المقدس.