"ورود يوم القيامة".. حسين جلعاد يحرس بالشّعر نوافذ غزة

تاريخ النشر : السبت 10:21 18-4-2026
  عمان - الرأي

صدر عن دار الأهلية للنشر والتوزيع في عمّان الديوان الشعري الجديد "ورود يوم القيامة" للشاعر والصحافي الأردني حسين جلعاد، في عمل ينهض من قلب المأساة الفلسطينية، ويكتب غزة لا بوصفها حدثا عابرا أو خبرا يوميا، بل باعتبارها جرحا مفتوحا في اللغة والذاكرة والوجدان. يأتي الديوان في لحظة تاريخية مشحونة، تبدأ من 7 أكتوبر/تشرين الأول، حيث وقف التاريخ على حافة النفق، وتحوّل اليومي الغزّي إلى مساحة تتقاطع فيها الحياة مع الفناء، والحنين مع الخراب، والإنسان مع محنته الوجودية.

منذ الإهداء الأول، يعلن الديوان وجهته العاطفية والرمزية، إذ يتجه مباشرة إلى غزة وأهلها، واضعًا القارئ في مناخ شعري مكثف، تتجاور فيه صور الفقد مع عناد البقاء. لا يكتب جلعاد ديوان حرب بالمعنى الخطابي، بل يكتب اليومي المحترق، حيث طفل يضحك عند باب السماء، وجدّ يمشي تحت ظلال الوقت، وأمّ تحمل في أكياس سوداء ما تبقى من صلاتها وأشلاء أطفالها. في هذا الفضاء، تصبح القصيدة محاولة لحماية المعنى الإنساني من التبدد، ولإعطاء المأساة صوتًا داخليًا يلتقط ما يبقى من الإنسان حين تحاصره النار والغياب.

واحد.. اثنان.. ثلاثة

كنت أتعلم العَدّ...

أخي وزوجته الشابة يحضران الأمتعة سريعا

ليلحقا بمواعيد المعبر

ابنة الجيران تلمّ جديلتها

قبل الوقوف للصلاة.

وجدي يعقد يديه خلف ظهره

ويمشي تحت ظلال الوقت.

أبي أعرفه من وقع الأقدام

دائما يعود متأخرا بعد المغيب....

خسرنا الأمتعة

والجديلة

وظلال الوقت

وخطوات أبي.

"كل ذلك سنجده في الجنة"

قالت أمي

ونحن نعبر جسر الأبد.

في مواجهة الفناء

يمتاز الديوان بوفائه للتفاصيل الحميمة التي تقف في مواجهة الفناء الجماعي: مسبحة الجدة، شال الأم على سرير الزواج القديم، خارطة حيفا المرسومة بأصابع الأخ الصغير، والأحذية التي سقطت تحت ركام المنازل.

هذه التفاصيل، التي يلتقطها الشاعر كما يلتقط مصور سينمائي اللمعات الخاطفة، تجعل الديوان يقف في المسافة الحساسة بين الرثاء والتأريخ، دون أن يقع في فخ المباشرة أو التوثيق الجاف. فالشاعر لا يكتفي برصد الدمار المادي، بل ينفذ إلى العمق النفسي للمأساة، مستعيدا شخصيات عائلية ووجوهًا يومية، يكتبها بحنان موجوع وغضب خافت.

ومع التقدم في الديوان، يظهر صوت آخر موازٍ، هو صوت المحب الذي يكتب رسائله لمن لن يعود، ويعترف لربه أنه لم يعد قادرًا على الصلاة لأن قلبه لا ينبض. ثم تتسع الدائرة لتشمل العالم المتفرج الذي "يحتسي الشاي الإنجليزي بينما تتقلب حرباه الأولى والثانية"، وصولًا إلى مشهد قيامي تتجاور فيه الملائكة مع القتيل والقاتل في شارع واحد، في صورة شعرية مكثفة تعيد طرح سؤال العدالة والنجاة والعبور.

يختار جلعاد في هذا الديوان بنية شعرية خاصة، إذ لا تحمل القصائد عناوين تقليدية، بل تصبح الكلمة الأولى المكتوبة بخط عريض هي العتبة والعنوان في آن واحد. هذا الخيار البنائي يعكس رؤية متكاملة، تجعل الديوان نصًا واحدًا متصلًا، لا مجموعة قصائد منفصلة. فالفواصل بين النصوص ليست قطيعة، بل هي أشبه بتنفس قصير قبل أن يستأنف النص نبضه. وهكذا ينسجم البناء مع الجملة الافتتاحية للديوان: "القصيدة هنا تبدأ ولا تنتهي".

أشكال القصيدة وبناء الديوان

تتنوع أشكال القصائد بين الومضة الحادة، والقصيدة النثرية المتوسطة، والرسالة الغزلية المأزومة، وتجمعها لغة مقطرة، صافية حد الجرح، لا تصرخ ولا تؤدلج، بل تلتقط التفاصيل التي تحمل كل شيء: النوافذ والأبواب وأحواض النعناع التي اختفت تحت الركام، شجرة الليمون التي أراد أب أن يزرعها ولم يعد ثمة بيت، والفرس التي "تشمّك مثلما تفعل المرأة" وتبكي إذا مرّ صاروخ العدو وانفصل العنق عن الكتف. هذه اللغة، التي تتأرجح بين الرهافة والقسوة، تجعل الديوان مساحة للمقاومة الإنسانية، ومحاولة لإعادة تسمية ما تعجز الأخبار عن حمله.

والملاحظ في هذا الديوان أنه لا يحمل عناوين لقصائده، وهو اختيار بنائي واع يكشف عن رؤية شعرية متكاملة. فبدلا من العنوان التقليدي الذي يخبر القارئ مسبقا بما سيشعر أو يفهم، فقد اختار جلعاد أن تكون الكلمة الأولى من كل قصيدة – المكتوبة بخط عريض – هي العتبة والعنوان في آن واحد. فالكلمة الأولى لا تسمي التجربة، بل ترمي بك في قلبها مباشرة، تضرب ثم تكمل.

وهذا الفاصل التقني البسيط بين القصائد لا يعمل قطيعة بينها، بل هو أشبه بتنفس قصير، أو توقف خفيف قبل أن يستأنف النص نبضه. ما يعني في نهاية المطاف أن الديوان مصمم ليقرأ كنص واحد متصل لا كمجموعة قصائد مستقلة، إنه يخبرنا أن الديوان قصيدة طويلة تمشي دون أن تعلن عن نفسها في كل خطوة. وهذا ينسجم انسجاما تاما مع جملته الافتتاحية التي تقول إن القصيدة هنا تبدأ ولا تنتهي.

كأنها لفرط العنفوان لا تلامس الأرض.

الفرس التي ورثتني عن أبي

وعلمتني أن أقفز مثل قلب العروس.

تشمّك الأنثى مثلما تفعل المرأة

وتطمئن إلى طعم السكّر في يديك

ورائحة التفاح.

تأكل من راحتك مثل أمان الدنيا

وتلوي العنق على كتفك إذا نويت الرّواح.

وتبكي عليها

مثل طفل صغير

إذا مرّ صاروخ العدوّ

وانفصل العنق عن الكتف.

صورة سينمائية

في الصفحات الأخيرة، يصل الديوان إلى صورة سينمائية عالية الكثافة: رجل ينام فوق ظله، يرى جنازة بلا نعش، ويقول للريح "احملي ما تبقى مني"، فيما الأعداء يتهامسون: كيف انتصر رجل بعصا؟ ثم تأتي الخاتمة التي تستحضر يحيى بن زكريا، في إشارة تتجاوز الرمز الديني إلى رؤية الشاعر الكاملة: أن الشهادة ليست نهاية، وأن العصا تنتصر على الجيوش، وأن القصيدة – كما بدأ الديوان – تبدأ ولا تنتهي.

يمثل "ورود يوم القيامة" امتدادًا لمسار جلعاد الأدبي، لكنه يأتي بنبرة أكثر التصاقا بالمصاب الإنساني الفلسطيني، وأكثر إصغاء إلى هشاشة الإنسان في زمن الحرب. ويعد جلعاد واحدا من الأصوات الأدبية والصحفية العربية المعروفة، وقد صدر له في الشعر والسرد والنقد أعمال عديدة، إلى جانب مؤلفات فكرية وسياسية. كما اختير عام 2006 سفيرًا للشعر الأردني لدى حركة شعراء العالم، وفي عام 2009 ضمن أفضل 39 كاتبا عربيًا شابا في جائزة "بيروت 39".

بهذا الديوان، يواصل جلعاد انحيازه إلى الشعر بوصفه بيتا أخيرا لمن فقدوا بيوتهم، ولغةً قادرة على حمل ما لا تستطيع الأخبار حمله، ونافذة تحرس غزة من النسيان، وتعيد للإنسان صوته في زمن تتكاثر فيه العتمة.

.alrai-epaper-widget{margin-top: 20px; max-width:250px}
Tweets by alrai
.alrai-facebook-embed{margin-top: 70px;}
.container .row .col-md-12:has(.alrai-section-last-widget) { flex-direction: column; } .alrai-section-last-widget { margin: 0 auto; position: relative; padding-top: 35px; width: 100%; } #widget_2097 .alrai-section-last-widget { padding-top: 35px; margin-top: 0; } .alrai-section-last-widget::after { position: absolute; content: url("https://alrai.com/alraijordan/uploads/global_files/section-page-faded-line.svg?v=1"); top: 0; transform: translateX(0); } .alrai-section-last-widget .full-col { overflow-x: auto; overflow-y: hidden; -webkit-overflow-scrolling: touch; width: 100%; } .alrai-section-last-widget .row-element { width: 100%; } .alrai-section-last-widget .content-wrapper { display: flex; flex-direction: row; flex-wrap: nowrap; align-items: stretch; width: max-content; min-width: 100%; gap: 30px; justify-content: center; padding-top: 30px; } .alrai-section-last-widget .item-row { flex: 0 0 auto; width: 200px; margin-right: 7px; display: flex; flex-direction: column; height: 195px; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio { padding-bottom: 100%; display: flex; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio img { border-radius: 50%; border: 2px solid #00a0e5; padding: 3px; } .alrai-section-last-widget .article-title { white-space: nowrap; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; display: block; } .alrai-section-last-widget .item-row .item-info a { color: #000; color: color(display-p3 0 0 0); text-align: center; font-size: 14px; font-style: normal; font-weight: 800; line-height: 20px; text-decoration: none; display: -webkit-box; -webkit-line-clamp: 3; -webkit-box-orient: vertical; overflow: hidden; white-space: normal; } .alrai-section-last-widget .full-col::-webkit-scrollbar { display: none; } @media screen and (min-width: 1200px) { .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(0); } } @media screen and (max-width: 768px) { .alrai-section-last-widget .row-element .content-wrapper { flex-direction: row !important; } .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(100%); right: 0; left: 0; } }
.death-statistics-marquee .article-title a, .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { text-align: right; font-family: Cairo; font-style: normal; font-weight: 700; line-height: 25px; text-decoration: none; } .death-statistics-marquee .breaking-news-wrapper { width: 100%; display: flex; } .death-statistics-marquee .breaking-news { background-color: #7c0000; padding: 22px 17px 24px 18px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; } .death-statistics-marquee .breaking-news-content { background-color: #b90000; padding: 22px 18px 24px 21px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; width: 100%; position: relative; } .full-container .marquee-container-widget:not(.relative-widget) .wrapper-row { position: fixed; width: 100%; right: 0; bottom: 0; z-index: 100000; } .death-statistics-marquee .marquee-container-widget .title-widget-2 { width: 75px; background-color: #757575; color: #fff; height: 60px; display: flex; align-items: center; justify-content: center; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 15px; padding: 16px 18px 16px 15px; display: block; } .death-statistics-marquee .content-row:not(.content-row-full) { width: calc(100% - 100px); background-color: #000; } .death-statistics-marquee .content-row marquee { direction: ltr; } .death-statistics-marquee .content-row .img-item { display: inline-flex; height: 60px; align-items: center; vertical-align: top; } .death-statistics-marquee .content-row .article-title { height: 60px; display: inline-flex; align-items: center; color: #fff; padding: 0 15px; direction: rtl; } .death-statistics-marquee .article-title a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 17px; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 { width: 100px; } #widget_1932 { position: static; bottom: 0; width: 100%; z-index: 1; } @media scren and (max-width:768px){ .death-statistics-marquee .breaking-news-content{ font-family: 'Cairo', sans-serif; } }