تخلّت جبال الطفيلة الشامخة عن وقارها الصخري المعتاد، لترتدي هذا العام ثوباً سندسياً مطرزاً بألوان الدحنون والأقحوان، بعد موسم مطري استثنائي أعاد الروح إلى الينابيع وبث الطمأنينة في نفوس المزارعين.
ومع هذه اللوحة الطبيعية التي رسمها الخالق؛ تحولت المحافظة الهاشمية إلى قبلة للمتنزهين ومحط آمال القطاع الزراعي الذي يتطلع لموسم إنتاجي يعوض تحديات السنوات الماضية، حيث تشكل هذه الفترة الزمنية من العام الرئة التي يتنفس من خلالها اقتصاد المحافظة المعتمد بشكل أساسي على الأرض وما تجود به من خيرات.
وتعتبر الطفيلة من المحافظات ذات التنوع الحيوي والمناخي الفريد، حيث تبلغ مساحة الأراضي الصالحة للزراعة فيها حوالي 120 ألف دونم، موزعة بين المرتفعات الجبلية الباردة والمناطق الشفا غورية كمنطقة البربيطة وصنفحة.
فيما بلغت نسبة الأمطار التراكمية لهذا الموسم في بعض مناطق المحافظة مستويات مبشرة تجاوزت المعدلات العامة بنسبة 170ملم، مما انعكس إيجاباً على مخزون المياه الجوفية والرطوبة الأرضية الضرورية للأشجار المثمرة والمحاصيل الحقلية التي تعتمد عليها مئات الأسر في تأمين قوت يومها.
ويرى مدير زراعة الطفيلة، المهندس بلال الهلول، أن الموسم الحالي يبشر بخريف زراعي مثمر وعطاء وافر، مؤكداً أن كميات الأمطار وتوزيعها الزمني ساهما بشكل مباشر في تعزيز نمو المحاصيل الحقلية والأشجار المثمرة، وخاصة الزيتون واللوزيات التي تشكل العمود الفقري للزراعة في المحافظة.
ويشير الهلول إلى أن المديرية تتابع عن كثب الحالة العامة للمزارع، داعياً إياهم لضرورة مراقبة محاصيلهم في هذه الفترة الحساسة للتعامل مع أي آفات قد تظهر نتيجة الرطوبة العالية، متوقعا زيادة ملحوظة في إنتاج الثروة الحيوانية من الألبان والأجبان نظراً لتوفر المراعي الطبيعية الشاسعة التي خففت الأعباء المالية الكبيرة عن كاهل المربين الذين عانوا سابقاً من ارتفاع أسعار الأعلاف.
ويقول المزارع محمود المزايدة إن هذا الربيع لم تشهد المحافظة مثله منذ سنوات طويلة، فالأرض رويت بما يكفي، والأعشاب غطت الجبال والوديان، مما يعني استغناء المربين عن شراء الأعلاف لفترة طويلة.
ويضيف المزايدة أن المزارع في محافظة الطفيلة يرتبط بأرضه ارتباطاً وجودياً، وهذا الربيع هو مكافأة لصبر المزارعين على شح الإمكانيات، لكنه يطالب بضرورة التفات الجهات المعنية لفتح الطرق الزراعية وتأهيلها لتسهيل وصول المزارعين إلى أراضيهم الوعرة، وتقديم الدعم اللوجستي في مواسم القطاف والتسويق.
ويظهر المشهد السياحي كأحد أهم المكتسبات التي يفرضها ربيع الطفيلة، حيث شهدت المواقع الطبيعية في "لحظة" و"النمتة" و"ضانا" والعيص وازحيقا وغيرها من المواقع إقبالاً منقطع النظير من العائلات والوفود السياحية.
السائح محمود الشلول، الذي حضر برفقة عائلته من خارج المحافظة، عبر عن دهشته بجمال المحافظة ووفرة المواقع المتاحة للتنزه، مشيراً إلى أن الطفيلة في الربيع تفوق الوصف، حيث يجد الزائر الجبل والوادي والخضرة الممتدة على مد البصر في تناغم فريد.
وأكد الشلول أن تنوع تضاريس الطفيلة يجعل منها مقصداً مثالياً للسياحة البيئية وسياحة المغامرات، إلا أنها لا تزال بحاجة إلى مزيد من الخدمات الأساسية والمرافق العامة في نقاط التنزه لتشجيع السياحة الداخلية المستدامة.
إن الحالة الربيعية في الطفيلة هي منظومة اقتصادية واجتماعية متكاملة، فازدهار المراعي يعني جودة أعلى لمنتجات الألبان الشهيرة كالجميد والسمن، وانتعاش الحركة السياحية يعني دعماً للمشاريع الصغيرة والمتوسطة التي يديرها أبناء المحافظة.
ويبقى الرهان اليوم على كيفية استثمار هذا العطاء الرباني لتحويل الطفيلة إلى وجهة سياحية رائدة وسلة غذاء وطنية، مع التأكيد على أن دعم صمود المزارع في أرضه وتطوير البنية التحتية السياحية هما المفتاح الحقيقي لتحقيق التنمية التي تنشدها المحافظة.