(المضمون: في النظام الإيراني يقدرن بان الزمن يعمل في غير صالح ترامب اكثر مما يعمل في غير صالحهم ولهذا يفضلون مواصلة حرب الاستنزاف. علينا الا نتخلى عن اسقاط النظام لانه بدون ذلك كل ما تحقق من انجازات وضربات من شأنه ان يكون مؤقتا-المصدر).
«المنطقة ستصبح جحيما لاعدائنا اذا ما اتسعت الهجمات ضد البنى التحتية الإيرانية»، هكذا قال أمس إبراهيم ذو الفقاري، الناطق بلسان القيادة العملياتية العليا للقوات المسلحة الإيرانية. وقد أطلق تهديداته حتى قبل التحذير العصبي الذي اطلقه الرئيس ترامب وبموجبه «يوم الثلاثاء سيكون محطات توليد الطاقة والجسور في رزمة واحدة» اذا لم يفتح مضيق هرمز.
أقل من يوم على انتهاء الإنذار الذي وضعه الرئيس الأمريكي والاحتمال للتوافق بين واشنطن وطهران يبدو طفيفا. لا يعكس الخطاب العلني دوما ما يحصل في قنوات نقل الرسائل، لكن يبدو هذه المرة ان الغضب أصيل والمسافة بين الطرفين شاسعة. لا شيئا نهائي وتغييرات في الدقيقة التسعين ليست نادرة. تبادل الاتهامات والشتائم كما يفترض دفعت الوسطاء أساسا ان يستنفدوا الزمن القليل المتبقي كي يمنعوا التصعيد المرتقب. حاليا، تواصل طهران ابداء خط قتالي وعديم المساومة.
ظريف عرض كـ «خائن»
تجسيد للمزاج هناك كان يمكن أن نجده في النقد القاسي الذي وجه لوزير الخارجية الإيراني السابق محمد جواد ظريف، في اعقاب النهج المتصالح الذي عرضه. ففي مقال نشره في نهاية الأسبوع في مجلسة «فورين افيرز» اقترح السعي الى اتفاق سلام شامل مع الولايات المتحدة ووضع صيغة لانهاء الحرب تتضمن قيودا على البرنامج النووي وفتح مضيق هرمز، مقابل تنازلات عن العقوبات الاقتصادية. ولم يتأخر الرد على مقترحه: في بعض من المظاهرات في طهران أحرقت صوره ومقربون من النظام دعوا الى تقديمه للمحاكمة بتهمة الخيانة.
ان قادة النظام في طهران على وعي بالثمن العالي الذي دفعته ايران ومن شأنها أن تدفعه على عنادها. الى جانب ذلك، يقدرون بان الزمن المنقضي يشدد الضغط على ترامب بما لا يقاس اكثر مما يسحق النظام. على حد نهجهم، فان حرب الاستنزاف التي يخوضونها ستجبر واشنطن على ان تلين وستدفعها في نهاية الامر الى تنازلات من جانبها – لا تضمن فقط بقاء النظام بل وتحرره أيضا من طوق الخناق الاقتصادي حول رقبته. لضمان ذلك، أو على الأقل لحفظ الاحتمالات لذلك، فانهم مستعدون لان يواصلوا دفع الثمن نقدا.
ان الاستراتيجية الإيرانية هي مواصلة استنزاف الولايات المتحدة وشركائها من خلال مزيج من السيطرة في مضيق هرمز، التأثير على سوق الطاقة العالمية واستمرار اطلاق الصواريخ نحو إسرائيل ودول الخليج. بالتوازي مع محاولة تحقيق إنجازات تكتيكية حيال القوات التي تعمل ضدها، استخلاص مكاسب من مواضع خلل وتورطات، تعظيم الثمن وتوسيع الخلافات حول الحرب من خلال الحرب النفسية.
تعزيز «وعي النصر»
والى ذلك فان محافل النظام منصتة لما يجري في داخل الوطن. فهم يواصلون الاستثمار في تعزيز «وعي النصر»، يمنعون ضخ المعلومات ويشددون الرقابة الداخلية كي يفشلوا مساعي التنظيم لاسقاطه.
الى أين تتجه الأمور؟ لن تكون مراهنة خطيرة التقدير أنه في اليوم القريب القادم سيضع «الوسطاء» على انواعهم امام ترامب او رجاله طلبا بتمديد الإنذار مرة أخرى. يحتمل ان يعرضوا لهذا الغرض «هدايا» إضافية في شكل تسهيلات مؤقتة ومحددة في مضيق هرمز تبدي طهران استعدادا لاعطائها لغرض كسب الوقت. هذه بالطبع خطوة إضافية لحشر ترامب في فخ الاستنزاف، وينبغي الامل الا يستجيب لها.
الامكانية الثانية هي ان يعرضوا استعدادا من الإيرانيين لوقف نار قصير لكن بشروط ايران – فيما يكون مضيق هرمز تحت سيطرتها – وليس بالشروط التي قررها ترامب لذلك. وسيعرض وقف النار كنافذة زمنية للمداولات على التسوية الدائمة. في مثل هذا الوضع ستجرى مفاوضات فيما تكون ايران محررة من الضغط العسكري وتحوز ورقة مساومة بينما الضغوط تمارس على الطرف الاخر. ترامب – كما ينبغي الافتراض – لن يستجيب لمثل هذا العرض.
الامكانية الثالثة هي تصعيد الضغط العسكري: تغيير سياسة الهجوم الانتقائي والانتقال الى الهجوم على البنى التحتية الوطنية. إشارات عن هذا الاتجاه صدرت في الهجمات الأخيرة لإسرائيل والولايات المتحدة. يمكن التقدير بان استخدام هذه الطريقة سيكون مقنونا ومحدودا وسيترافق بإبقاء الباب مفتوحا للمفاوضات. هذا السيناريو يمكن أن يكون متعدد المراحل أيضا، في ظل تقصير مديات الزمن بين المراحل وبمنسوب قوة متغير.
من شأن هذا السيناريو ان تكون آثار متضاربة في كل ما يتعلق بسلوك الجمهور في ايران. من جهة يمكنه أن يسرع انتفاضة مدنية ومن شأنه بالمقابل أن يتسبب برص الصفوف بسبب تغيير التركيز من ان يكون علت النظام ليصبح على دمار البنى التحتية للدولة.
لا تتنازلوا عن اسقاط النظام
من زاوية نظر إسرائيل، فان وضعها الاستراتيجي اليوم افضل بلا قياس عن الوضع الذي كانت فيه عشية الحرب: القدرات الاستراتيجية لإيران تعرضت لضربة قاسية، حتى وان لم تكن لا مرد لها، واستقرار النظام تضعضع رغم أنه لا يزال يقف على قدميه. لقد أظهرت إسرائيل مرة أخرى امام دول المنطقة والعالم قوتها الأمنية. كما أن نصبت نفسها كشريك استراتيجي رائد للولايات المتحدة وليس كمدعومة او كرعية.
مع ذلك، الحقيقة يجب ان تقال: التغيير الجذري الذي نتمناه لن يقع الا عندما ينهي نظام الله طريقه. بدون ذلك فان كل ما تحقق من شأنه ان يكون مؤقتا. وعليه فلا يجب التنازل عن هذا التطلع. في كل بديل يختاره الرئيس ترامب، فان المصلحة الإسرائيلية هي الإبقاء على العقوبات على النظام – إذ ان هذا هو ما سيخرج الجماهير ضده. المعركة الحالية يجب أن تكون على الأقل علامة طريق في تدهور النظام في الطريق الى سقوطه الذي حتى وان تلبث – لا بد سيأتي.
(إسرائيل اليوم)