إن الحديث عن الانتحار ليس حديثاً عن الضعف، ولا عن الذنب، ولا عن فشلٍ شخصي، بل هو حديث عن ألمٍ نفسي قد يبلغ درجةً خطيرة إذا لم يُفهم مبكراً ويُواجَه بجدية ورحمة وكفاءة. وفي الأردن، كما في كثير من بلدان العالم، لا يمكن التعامل مع هذه القضية بمنطق ردّ الفعل فقط، بل بمنطق الصحة العامة، والوقاية المبكرة، والتكامل بين الأسرة والمدرسة والإعلام والنظام الصحي والقانون والمجتمع. وتشير معطيات منظمة الصحة العالمية إلى أن الأردن حقق انخفاضاً في معدلات الانتحار بنسبة 17% منذ عام 2019، مع تحسن في دمج خدمات الصحة النفسية في الرعاية الصحية الأولية، لكن التحديات ما تزال قائمة، ومنها الوصمة، ومحدودية الموارد، وضعف جمع البيانات والمؤشرات النفسية بشكل كافٍ. (World Health Organization)
إن الحد من الانتحار في الأردن يحتاج أولاً إلى الاعتراف بأن الوقاية ممكنة. فمعظم من يمرون بأزمات نفسية شديدة لا يريدون الموت بقدر ما يريدون أن يتوقف الألم. وهنا تصبح الرسالة الأهم: كل إنسان يمر بيأس شديد يحتاج إلى احتواء وعلاج ودعم، لا إلى لوم أو تخويف أو تجاهل. كما أن التعامل مع الانتحار باعتباره قضية صحة نفسية واجتماعية أكثر منه قضية عقابية هو اتجاه تدعمه المعايير الدولية في الصحة النفسية. وتُظهر وثائق الأمم المتحدة الخاصة بالأردن أن البلاد لديها الخطة الوطنية للصحة النفسية وتعاطي المواد 2022–2026، إلى جانب جهود لتدريب أطباء الأسرة على برنامج mhGAP التابع لمنظمة الصحة العالمية. (The United Nations in Jordan)
وأرى أن الأطراف المعنية في الأردن يجب أن تتحرك ضمن أدوار واضحة ومتكاملة:
أولاً: دور الدولة ووزارة الصحة
المطلوب هو تعزيز خدمات الصحة النفسية وجعلها أقرب إلى الناس، لا أن تبقى محصورة في مراكز محدودة أو في المدن الكبرى فقط. فالرعاية النفسية يجب أن تكون جزءاً أساسياً من الرعاية الصحية الأولية، بحيث يستطيع المواطن مراجعة طبيب الأسرة أو المركز الصحي والحصول على تقييم نفسي أولي وإحالة مبكرة عند الحاجة. الأردن قطع شوطاً في هذا المجال؛ فبحسب منظمة الصحة العالمية تم تدريب 1٫120 من العاملين في الرعاية الصحية الأولية عبر 278 مركزاً، وبنهاية عام 2024 كان جميع أطباء الأسرة في الأردن، اختصاصيين ومقيمين، قد تلقوا تدريباً على mhGAP. هذه خطوة مهمة، لكنها تحتاج إلى استمرارية وتوسيع ومتابعة جودة التطبيق. (WHO)
ثانياً: دور المستشفيات والقطاع الصحي
يجب أن تكون هناك بروتوكولات واضحة للتعامل مع الأشخاص المعرضين لخطر مرتفع، سواء في أقسام الطوارئ أو العيادات أو المستشفيات العامة. أي مراجع يظهر عليه يأس شديد أو اكتئاب حاد أو اضطراب نفسي أو إدمان أو آثار صدمة نفسية يحتاج إلى تقييم جاد، وخطة أمان، ومتابعة قريبة، وإشراك الأسرة حين يكون ذلك مناسباً. كما نحتاج إلى تقوية خدمات الصحة النفسية المجتمعية والعيادات الخارجية، وعدم الاكتفاء بالتعامل مع الحالات فقط عند لحظة الأزمة. وتشير التوجهات الاستراتيجية للصحة النفسية في الأردن إلى الحاجة لتوسيع الوحدات النفسية في المستشفيات العامة والخدمات المجتمعية في المحافظات. (elhassanlearning.jo)
ثالثاً: دور الأسرة
الأسرة هي خط الدفاع الأول. كثير من الناس يسبق سلوكهم الانسحابي أو اكتئابهم أو حديثهم عن انعدام القيمة أي أزمةٍ كبرى. المطلوب من الأسرة ليس التحقيق مع الشخص ولا محاصرته بالنقد، بل الإصغاء، وتخفيف العزلة، وأخذ أي تعبير عن اليأس أو الرغبة في الاختفاء على محمل الجد، والمبادرة إلى طلب المساعدة المتخصصة. وفي مجتمعنا العربي، كثيراً ما يُساء فهم المعاناة النفسية على أنها ضعف إيمان أو قلة صبر، وهذا خطأ مؤذٍ. الدعم الحقيقي يبدأ بالرحمة، لا بالأحكام.
رابعاً: دور المدارس والجامعات
المدرسة والجامعة ليستا مكانين للتعليم فقط، بل أيضاً لاكتشاف الضيق النفسي مبكراً. من الضروري تدريب المرشدين والمعلمين وأعضاء الهيئات التدريسية على ملاحظة التغيرات الحادة في السلوك، مثل الانعزال، التراجع الدراسي المفاجئ، الاندفاع، أو مظاهر الاكتئاب والقلق والاضطراب بعد التنمر أو الخسارات أو الضغوط الشديدة. كما أن بناء بيئة مدرسية آمنة، مضادة للتنمر والإذلال، هو جزء مباشر من الوقاية. وقد دعمت اليونيسف في الأردن تطوير مواد وأدوات للصحة النفسية والرفاه لدى اليافعين والشباب، بما في ذلك بيئات آمنة خالية من العنف والتنمر. (UNICEF)
خامساً: دور الإعلام
الإعلام شريك بالغ الأهمية، وقد يكون جزءاً من الحل أو جزءاً من المشكلة. التغطية الإعلامية غير المسؤولة قد تزيد الضرر، بينما التغطية المهنية قد تنقذ الأرواح. المطلوب من الإعلام أن يتجنب الإثارة، والتفاصيل المؤذية، واللغة التي تمجد الفعل أو تبسطه أو تقدمه كحل، وأن يركز بدلاً من ذلك على التوعية، وذكر إمكان العلاج، وتشجيع الناس على طلب المساعدة، وإبراز قصص التعافي والصمود. منظمة الصحة العالمية تدعو بوضوح إلى استراتيجيات وطنية للوقاية من الانتحار وإلى خطاب مسؤول في المجال العام حول الصحة النفسية. (World Health Organization)
سادساً: دور رجال الدين وقادة المجتمع المحلي
في الأردن، للكلمة الدينية والاجتماعية أثر كبير. ولذلك فإن خطاب الرحمة، والحث على طلب العلاج، ونبذ الوصمة، واحتواء الأسر المنكوبة، كلها عناصر شديدة الأهمية. المطلوب هو أن نبتعد عن خطاب الإدانة المجردة، وأن نقترب من خطاب يربط بين حفظ النفس، والرحمة، والعلاج، والمسؤولية المجتمعية تجاه من يعانون في صمت.
سابعاً: دور التشريع والسياسات العامة
إن المقاربة الوقائية تقتضي أن يشعر الإنسان الذي يمر بأزمة نفسية أنه سيتلقى المساعدة لا العقوبة. وتذكر وثيقة أممية عن الأردن أن 137 حالة انتحار سُجلت في عام 2022، كما تشير إلى أن محاولة الانتحار في الأماكن العامة أصبحت مجرّمة منذ عام 2022. وفي تقديري، فإن أي سياسة فعالة ينبغي أن تعطي الأولوية للعلاج والتقييم النفسي والتدخل الاجتماعي، وأن تبتعد عن كل ما يمكن أن يزيد الخوف من طلب المساعدة أو يدفع الناس إلى مزيد من الإخفاء والعزلة. (The United Nations in Jordan)
ثامناً: دور المجتمع المدني والمؤسسات الأهلية
الجمعيات، والمبادرات الشبابية، ومؤسسات الدعم النفسي والاجتماعي، تستطيع أن تردم الفجوة بين الناس والخدمات الرسمية، خاصة في المناطق الأقل حظاً، وعند الفئات الأكثر هشاشة. كما أن حملات التوعية المنتظمة، ومجموعات الدعم، وبرامج الإرشاد الأسري، والتدخل المبكر بعد الأزمات، كلها أدوات عملية وفعالة عندما تُبنى على أسس علمية.
ومن الناحية العملية، فإن الحد من الانتحار في الأردن يحتاج إلى برنامج وطني متماسك يقوم على عدة محاور: رفع الوعي العام، خفض الوصمة، تحسين الوصول إلى العلاج، تدريب الكوادر الصحية والتعليمية، دعم الصحة النفسية في المدارس والجامعات، تحسين جودة البيانات والرصد، وتطوير استجابة متعددة القطاعات تشمل الصحة والتعليم والإعلام والشؤون الاجتماعية والجهات الدينية والمجتمعية. وتؤكد تقارير منظمة الصحة العالمية واليونيسف في الأردن أن نقص الاختصاصيين، وضعف الوصول إلى الخدمات، والحاجة إلى توسيع الدمج في الرعاية الأولية ما تزال من القضايا المركزية التي تتطلب استثماراً منظماً ومستمراً. (World Health Organization) الخلاصة أن الانتحار ليس قدراً لا يمكن منعه. كلما كان المجتمع أكثر وعياً، والأسرة أكثر قرباً، والمدرسة أكثر انتباهاً، والإعلام أكثر مسؤولية، والخدمات الصحية أكثر سهولة وكفاءة، تراجعت المخاطر وازدادت فرص الإنقاذ. حماية الإنسان تبدأ من الإصغاء إليه، وفهم معاناته، وإيصاله إلى المساعدة في الوقت المناسب. وهذا واجب وطني وأخلاقي وإنساني تشترك فيه جميع الأطراف.