العلاج بالبروتون
جاءني والد تالا ابنة الخمسة أعوام يطلب مشورتي الطبية بحالة ابنته التي لاحظ عليها غياب التوازن في المشي منذ أسابيع،تلاه حالة من القيء المستمر الذي لم تنفع حياله مضادات القيء التي قام بشرائها بناءً على نصيحة أحد الصيادلة.وفي مثل حالة تالا لا يلزم المرء أن يكون طبيباً مختصاً في علم الأعصاب،ليشتبه بوجود خطب ما جلل في منطقة المخيخ لدى هذه الطفلة الجميلة،التي كانت غاية في الفصاحة والذكاء الذي كان يسبق عمرها،وحسب ما نسمع في موروثنا الشعبي في وصف مثل هذه الحالات «مش بنت عيشة». وجاءت الصورة الطبقية ثم صورة الرنين المغناطيسي لتؤكد أسوأ مخاوفي بإصابتها بورم معروف بعشقه لهذه المنطقة من الدماغ لدى الأطفال ويدعى «ميدالوبلاستوما»،وهو ورم مشهور بشراسته وحبه للتجول سباحة في السائل الدماغي.وبالفعل تم إجراء العملية الجراحية،واستؤصل الورم بنجاح،لكن البروتوكول العلاجي كان يحتم تطهير كافة منطقة الجهاز العصبي بواسطة الأشعة العلاجية،رغم خطورة تأثيرها على نمو الدماغ،وبالتالي سائر أعضاء الجسم الأخرى.
وهذا ما حصل،فتالا اليوم في بداية العقد الثالث من العمر،وخالية من السرطان،لكنها تعاني من مشاكل عديدة في النمو الذي يبدو كما لو كان توقف لحظة إصابتها بالمرض،أو تجاوزه قليلاً.
مثل هذه الآثار الجانبية للأشعة العلاجية دفعت العلماء إلى تعديل بروتوكولات العلاج،واستخدام تقنيات أكثر دقة وأقل سمية،بهدف محاولة حماية الأطفال الأقل عمراً من التعرض لهذا العلاج قدر الإمكان،لكن ذلك لم ينهِ المشكلة من أساسها.وهنا يبرز الدور المهم الذي يلعبه العلاج بالبروتون،وهو نوع متطور من العلاج بالإشعاع،يقدم بديلاً واعداً للعلاجات التقليدية خاصة عندما يتعلق الأمر بأورام الدماغ لدى الأطفال.فبدلاً من استخدام أشعة «إكس» التي تستخدم عادة في الأشعة العلاجية التقليدية،فإن العلاج بالبروتون وكما يشي اسمه يستخدم ذرات البروتون،وهي جسيمات مشحونة إيجابياً توجد في نواة الذرة،وتتميز هذه الذرات بسمة فريدة تميزها عن أشعة «إكس» التي تطلق طاقتها قبل وبعد الوصول إلى الهدف، بينما تتمتع البروتونات بالقدرة على إيداع معظم طاقتها بدقة في موقع الورم، وهذا التوجيه الدقيق هو ما يميز العلاج بالبروتون ويجعله خياراً أكثر دقة وكفاءة. كما تتميز البروتونات بقدرتها الفريدة على اختراق الأنسجة إلى عمق محدد، يتم تحديده بضبط طاقتها. وهذه الخاصية تسمح للأطباء بالتحكم في العمق الذي تطلق فيه البروتونات طاقتها، مما يضمن تدمير أقصى قدر من الخلايا السرطانية، وفي الوقت نفسه الحفاظ على الأنسجة السليمة المحيطة بالورم.
ويبدأ العلاج بالبروتون برسم دقيق للورم باستخدام تقنيات تصوير متقدمة، وبمجرد تحديد المنطقة المستهدفة يمكن للأطباء والفيزيائيين توجيه البروتونات بدقة عالية نحو الورم مع تفادي الأنسجة السليمة الملاصقة، مما يؤدي إلى تقليل احتمالية حدوث آثار جانبية عند المريض.
ويعد الأطفال المرشحين المثاليين للاستفادة من هذه التقنية، إذ أنهم بحكم حساسية أنسجتهم النامية للإشعاع، فإن التوجيه الدقيق للبروتونات يسمح باتباع نهج أكثر تخصيصاً، مما يقلل من خطر حدوث مشاكل تطورية في المستقبل.
كما أظهر العلاج بالبروتون نتائج واعدة في علاج بعض أنواع السرطان الأخرى، مثل سرطان شبكية العين والبروستات، والعنق وغيرها.
وبما أن » الزين» لا يكتمل فإن الكلفة العالية للحصول على هذه التقنية وإدامتها تجعل منها حكراً على الدول الغنية، فثمن الجهاز الواحد يتراوح بين ثلاثين مليوناً إلة مئتي مليون دولار حسب حجمه وقدرته، مما يجعل كلفة علاج المريض الواحد تقارب مائة ألف من الدولارات.