الخطر على التعليم في أوقات التوتر لا يبدأ فقط إذا أُغلقت المدارس، بل حين يدخل الخوف إلى الصف من دون خطة واضحة لاحتوائه. فالأردن، وإن لم يكن طرفاً مباشراً في الصراع الدائر في الإقليم، يتأثر يومياً بأصوات الإنذارات، وتدفق الأخبار، والشائعات المتكررة حول تعليق الدوام أو العودة إلى التعليم عن بعد. وفي مثل هذه اللحظات، لا تعود المدرسة مجرد مكان للتعلّم، بل تصبح مساحة لحماية التوازن النفسي للأطفال، واستقرار الأسر، وثقة المجتمع بمؤسساته.
وقد اضطرت الجهات الرسمية أكثر من مرة إلى حسم الجدل حول دوام المدارس، إذ أكدت وزارة التربية والتعليم في 28 شباط 2026 استمرار الدوام كالمعتاد، كما تكررت رسائل النفي الرسمي للشائعات المتصلة بتعطيل الدراسة أو التحول إلى التعليم عن بعد. وهذا يكشف حقيقة أساسية: أن إدارة التعليم في أوقات التوتر لا تحتاج فقط إلى قرار صحيح، بل إلى قرار واضح وسريع ومبكر؛ لأن الفراغ المعلوماتي يملؤه القلق، والقلق في مثل هذه الأجواء يمنح الشائعة قوة تفوق الحقيقة لدى كثير من الأهالي والطلبة.
ومن هنا، فإن أول ما تحتاجه المنظومة التعليمية هو بروتوكول تواصل واضح بين الحكومة ووزارة التربية والتعليم والمديريات والمدارس، لا عند وقوع المتغيرات فقط، بل قبلها أيضاً. فالمطلوب أن تصل المعلومة الرسمية إلى الميدان بسرعة، وأن تُبلّغ المدارس والأهالي مبكراً بأي تطور محتمل أو إجراء احترازي، حتى لا تبقى المدرسة في موقع المتلقي المتأخر لقرارات تمس يومها الدراسي مباشرة.
والأردن يمتلك أساساً مؤسسياً يمكن البناء عليه. فوزارة التربية والتعليم أعدت استراتيجية إدارة المخاطر 2023–2027، وتتضمن حماية الطلبة خلال الأزمات وإدماج توصيات المجالس المحلية في الخطط السنوية لإدارة الأزمات والمخاطر في المدارس. وهذا يعني أن الإطار موجود، لكن التحدي الحقيقي اليوم هو أن ينتقل من مستوى الوثيقة إلى مستوى الصف، ومن النص إلى الممارسة، ومن الجاهزية النظرية إلى الطمأنينة الفعلية في المدرسة والبيت.
لكن وضوح القرار وحده لا يكفي. فالمدرسة نفسها تحتاج إلى الانتقال من دور المتلقي إلى دور الجاهز. وهذا يقتضي تدريب المشرفين التربويين ومديري المدارس والمعلمين على الاستجابة النفسية التربوية السريعة، لأن الطالب الذي يسمع صفارة إنذار، أو يعيش وسط تدفق يومي للأخبار، لا يدخل الصف كما في الظروف العادية. والمعلم هنا لا يكون ناقلاً للدرس فقط، بل أول من يسمع أسئلة الطلبة، وأول من يلتقط الخوف في عيونهم. وتؤكد موارد الشبكة المشتركة لوكالات التعليم في حالات الطوارئ (INEE) أن الدعم النفسي والاجتماعي ورفاه الطلبة والمعلمين جزء أساسي من الاستجابة التعليمية في الأزمات، وليس إضافة ثانوية.
ولهذا، فإن المطلوب ليس فقط تعميمات إدارية، بل ورش عمل سريعة ومحددة للمشرفين والمعلمين حول كيفية الإجابة عن أسئلة الطلبة، وكيفية التعامل مع القلق، ومتى يجب إحالة الحالات التي تحتاج دعماً أعمق. كما أن إعادة تفعيل تدريبات الإخلاء والجاهزية بالتعاون مع الدفاع المدني والجهات المختصة، ولكن بأسلوب مطمئن ومناسب للأعمار، من شأنه أن يمنح الطفل شعوراً بأن هناك خطة، وأن المدرسة تعرف ما الذي تفعله.
أما الأسر، فهي الحلقة الأكثر حساسية في هذه المعادلة. فالطفل لا يتلقى القلق من الأخبار فقط، بل من نبرة البيت أيضاً. لذلك، لا بد من فتح قنوات تواصل واضحة للأهالي والطلبة: أسئلة متكررة، ردود رسمية سريعة، تحديثات عبر مواقع الوزارة والمديريات ومنصاتها، وحتى لقاءات إعلامية عند الحاجة. الفكرة هنا ليست فقط نشر المعلومة، بل إدارة المخاوف قبل أن تتحول إلى ارتباك جماعي.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية الخطاب الوطني المطمئن. فالطفل يحتاج أن يسمع، بلغة يفهمها، أن هناك مؤسسات دولة تعمل لحمايته، وأن القوات المسلحة والأجهزة الأمنية والدفاع المدني تقوم بأدوار واضحة لضمان أمن المواطنين وسلامتهم، وأن هناك متابعة مستمرة لكل ما يمس حياة الناس اليومية.
فالمدرسة في أوقات التوتر ليست فقط مكاناً لاستكمال المنهاج، بل مساحة لحماية التوازن النفسي والاجتماعي للطلبة. والسؤال الأهم اليوم ليس فقط كيف نحافظ على انتظام الدوام، بل كيف نحافظ على شعور الأطفال بالأمان، وعلى ثقة الأسر، وعلى استقرار العملية التعليمية في لحظات القلق. وحين يشعر الطفل والأسرة بأن هناك دولة يقظة، ومؤسسات تعمل، وقيادة تتابع وتوجه، يصبح الخوف أقل حضوراً والطمأنينة أكثر رسوخاً.