الأردن في عين العاصفة

كيف يعيش المجتمع نفسيًا زمن الحرب؟

تاريخ النشر : الأحد 01:15 15-3-2026
No Image

لم يعد الإنسان بحاجة إلى أن يكون في ساحة المعركة كي يشعر بثقل الحرب؛ يكفي أن يفتح هاتفه. خبرٌ عاجل يمر على الشاشة، تحليل سياسي متسارع، مقطع مصوّر من مدينة مدمَّرة، أو صفارة إنذار في دولة قريبة… وكل ذلك يتسلل بهدوء إلى الوعي الإنساني ليصنع حالة من التوتر الصامت. وهكذا يجد الإنسان نفسه يعيش الحرب بطريقة مختلفة؛ ليس كمقاتل على الجبهة، بل كمُتابعٍ قريبٍ من الحدث، لكن هذه المسافة لا تحميه من أثرها النفسي.

المنطقة اليوم تمر بواحدة من أكثر مراحلها حساسية وتعقيدًا. فالتوترات العسكرية المتصاعدة، والاصطفافات السياسية المتغيرة، والاحتمالات المفتوحة لتوسع الصراع، جعلت الشرق الأوسط يعيش حالة من القلق السياسي المستمر. والأردن، بحكم موقعه الجغرافي وصلاته السياسية والإنسانية مع محيطه، يقف في قلب هذا المشهد المتوتر.

لكن ما يحدث في مثل هذه اللحظات لا يكون سياسيًا فقط… بل نفسيًا أيضًا.

من الناحية النفسية، يعيش المجتمع الأردني ما يمكن تسميته «حالة اليقظة الجماعية». وهي حالة طبيعية تظهر عندما يشعر مجتمع ما بأنه قريب من أحداث كبيرة قد تؤثر في مستقبله.

فنلاحظ أن الناس يتابعون الأخبار بكثافة، ويتبادلون التحليلات، ويبحثون عن تفسير لكل تطور جديد. هذا السلوك ليس مجرد فضول سياسي، بل هو محاولة نفسية لفهم الواقع والسيطرة على القلق.

فالإنسان بطبيعته يخاف من الغموض أكثر من الخطر نفسه.

ولهذا يصبح فهم ما يحدث نوعًا من الطمأنينة.

ومع ذلك، فإن الأردن يظهر في هذه المرحلة نموذجًا مهمًا لما يسميه علماء النفس الاستقرار النفسي المجتمعي. فرغم كل ما يحدث حوله من صراعات، ما تزال الحياة اليومية تسير بإيقاعها المعتاد: المدارس تعمل، الأسواق مفتوحة، الناس يذهبون إلى أعمالهم، وتستمر الحياة رغم الضجيج الإقليمي.

هذه القدرة على الاستمرار ليست مجرد عادة اجتماعية، بل هي آلية نفسية جماعية تسمح للمجتمع بالحفاظ على توازنه حتى عندما يكون محاطًا بالأزمات.

وقد لعبت السياسة الأردنية القائمة على الاعتدال والحكمة الدبلوماسية دورًا مهمًا في تعزيز هذا الشعور بالاستقرار. فعندما يشعر المواطن أن هناك قيادة تسعى إلى حماية البلاد من الانجرار إلى الفوضى الإقليمية، فإن ذلك يخلق نوعًا من الثقة النفسية بالمستقبل.

لكن في المقابل، لا يمكن إنكار أن الحروب القريبة تترك أثرًا عاطفيًا عميقًا على المجتمع الأردني، خاصة في ظل الروابط الإنسانية والثقافية مع شعوب المنطقة. فالمشاهد اليومية للدمار، وصور الأطفال والضحايا، لا تمر على النفس مرورًا عابرًا.

بل تولد ما يسميه علماء النفس «الإجهاد العاطفي الجماعي»، حيث يشعر الأفراد بالحزن والغضب والتعاطف في الوقت نفسه.

وهنا تظهر إحدى مفارقات العصر الحديث:

نحن قد نكون بعيدين جغرافيًا عن ساحة المعركة، لكننا نشاهدها كما لو أنها تقع في شوارعنا.

ولهذا يصبح التحدي النفسي الحقيقي هو الحفاظ على التوازن بين التعاطف الإنساني والصحة النفسية. فالمبالغة في متابعة الأخبار قد تزيد من التوتر والقلق، بينما تجاهلها بالكامل قد يولد شعورًا بالإنكار أو الذنب.

الحل الصحي يكمن في الوعي، وفي القدرة على إدراك أن القلق في مثل هذه الظروف شعور طبيعي، لكنه لا يجب أن يتحول إلى حالة من الخوف المستمر.

ومن زاوية أعمق، تكشف الأزمات السياسية والحروب القريبة عن جانب مهم في علم النفس المجتمعي، وهو ما يسمى «الهوية الوطنية كعامل حماية نفسي». فعندما يشعر الفرد بالانتماء إلى وطن مستقر ومتماسك، فإن هذا الشعور يعمل كدرع نفسي يخفف من القلق والاضطراب. ولهذا نلاحظ أن الأفراد في المجتمعات المتماسكة يميلون إلى استمداد الطمأنينة من فكرة الجماعة؛ من الشعور بأنهم ليسوا وحدهم في مواجهة القلق، بل جزء من مجتمع كامل يتشارك المخاوف والآمال نفسها.

ومن منظور علم النفس العصبي، فإن المجتمعات التي تعيش بالقرب من مناطق النزاع تدخل أحيانًا في ما يُعرف علميًا بحالة «الاستثارة العصبية الجماعية المزمنة». ففي ظل التعرض المستمر للأخبار المقلقة والصور الصادمة، يبقى الجهاز العصبي لدى الأفراد في درجة مرتفعة من اليقظة.

فالدماغ، وتحديدًا اللوزة الدماغية المسؤولة عن استشعار الخطر، قد يتعامل مع الأخبار السياسية كما لو أنها تهديد مباشر، مما يؤدي إلى زيادة إفراز هرمونات التوتر مثل الكورتيزول والأدرينالين. ومع الوقت قد يظهر ذلك على شكل توتر، سرعة انفعال، اضطراب في النوم، أو التفكير المفرط في المستقبل.

لكن الدراسات الحديثة في علم نفس الأزمات المجتمعية تشير إلى أن وجود الثقة بالمؤسسات الوطنية والقيادة السياسية يخفف بشكل ملحوظ من تأثير هذه الحالة النفسية. فعندما يشعر المواطن بأن هناك دولة قادرة على إدارة المخاطر وحماية الاستقرار، يميل الدماغ تلقائيًا إلى خفض استجابته الدفاعية، وينخفض مستوى القلق الجماعي.

ولهذا فإن الاستقرار السياسي لا يُعد فقط عاملًا أمنيًا أو اقتصاديًا، بل هو أيضًا عامل حماية نفسي عميق يحافظ على التوازن العاطفي للمجتمع في زمن الأزمات.

الأردن اليوم يعيش هذه المعادلة الدقيقة.

بلد قريب من الأحداث، لكنه يحاول أن يبقى بعيدًا عن الفوضى.

بلد يشعر بألم المنطقة، لكنه يدرك أن الحفاظ على الاستقرار هو أيضًا مسؤولية أخلاقية تجاه شعبه.

وفي مثل هذه اللحظات التاريخية الحساسة، يتطلع الأردنيون إلى قيادتهم الهاشمية التي كانت دائمًا صمام أمان لهذا الوطن. فقد أثبتت الحكمة الهاشمية، عبر عقود طويلة، قدرة استثنائية على قيادة الأردن وسط العواصف الإقليمية بعقلٍ متزن وبصيرةٍ سياسية عميقة.

إن الجهود المتواصلة التي يبذلها جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين في الدفاع عن قضايا الأمة، وفي الوقت ذاته حماية استقرار الأردن وأمنه، تمنح المواطنين شعورًا بالثقة والطمأنينة في زمن يموج بالقلق. وفي ظل هذه الظروف، يجدد الأردنيون إيمانهم بأن قوة الوطن تكمن في تماسك شعبه والتفافه حول قيادته، وأن الحفاظ على استقرار الأردن هو مسؤولية مشتركة بين الدولة والمجتمع.

حفظ الله الأردن أرضًا وشعبًا وقيادة، وحفظ قيادته الهاشمية، وأدام على هذا الوطن نعمة الأمن والاستقرار.

.alrai-epaper-widget{margin-top: 20px; max-width:250px}
Tweets by alrai
.alrai-facebook-embed{margin-top: 70px;}
.container .row .col-md-12:has(.alrai-section-last-widget) { flex-direction: column; } .alrai-section-last-widget { margin: 0 auto; position: relative; padding-top: 35px; width: 100%; } #widget_2097 .alrai-section-last-widget { padding-top: 35px; margin-top: 0; } .alrai-section-last-widget::after { position: absolute; content: url("https://alrai.com/alraijordan/uploads/global_files/section-page-faded-line.svg?v=1"); top: 0; transform: translateX(0); } .alrai-section-last-widget .full-col { overflow-x: auto; overflow-y: hidden; -webkit-overflow-scrolling: touch; width: 100%; } .alrai-section-last-widget .row-element { width: 100%; } .alrai-section-last-widget .content-wrapper { display: flex; flex-direction: row; flex-wrap: nowrap; align-items: stretch; width: max-content; min-width: 100%; gap: 30px; justify-content: center; padding-top: 30px; } .alrai-section-last-widget .item-row { flex: 0 0 auto; width: 200px; margin-right: 7px; display: flex; flex-direction: column; height: 195px; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio { padding-bottom: 100%; display: flex; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio img { border-radius: 50%; border: 2px solid #00a0e5; padding: 3px; } .alrai-section-last-widget .article-title { white-space: nowrap; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; display: block; } .alrai-section-last-widget .item-row .item-info a { color: #000; color: color(display-p3 0 0 0); text-align: center; font-size: 14px; font-style: normal; font-weight: 800; line-height: 20px; text-decoration: none; display: -webkit-box; -webkit-line-clamp: 3; -webkit-box-orient: vertical; overflow: hidden; white-space: normal; } .alrai-section-last-widget .full-col::-webkit-scrollbar { display: none; } @media screen and (min-width: 1200px) { .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(0); } } @media screen and (max-width: 768px) { .alrai-section-last-widget .row-element .content-wrapper { flex-direction: row !important; } .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(100%); right: 0; left: 0; } }
.death-statistics-marquee .article-title a, .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { text-align: right; font-family: Cairo; font-style: normal; font-weight: 700; line-height: 25px; text-decoration: none; } .death-statistics-marquee .breaking-news-wrapper { width: 100%; display: flex; } .death-statistics-marquee .breaking-news { background-color: #7c0000; padding: 22px 17px 24px 18px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; } .death-statistics-marquee .breaking-news-content { background-color: #b90000; padding: 22px 18px 24px 21px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; width: 100%; position: relative; } .full-container .marquee-container-widget:not(.relative-widget) .wrapper-row { position: fixed; width: 100%; right: 0; bottom: 0; z-index: 100000; } .death-statistics-marquee .marquee-container-widget .title-widget-2 { width: 75px; background-color: #757575; color: #fff; height: 60px; display: flex; align-items: center; justify-content: center; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 15px; padding: 16px 18px 16px 15px; display: block; } .death-statistics-marquee .content-row:not(.content-row-full) { width: calc(100% - 100px); background-color: #000; } .death-statistics-marquee .content-row marquee { direction: ltr; } .death-statistics-marquee .content-row .img-item { display: inline-flex; height: 60px; align-items: center; vertical-align: top; } .death-statistics-marquee .content-row .article-title { height: 60px; display: inline-flex; align-items: center; color: #fff; padding: 0 15px; direction: rtl; } .death-statistics-marquee .article-title a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 17px; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 { width: 100px; } #widget_1932 { position: static; bottom: 0; width: 100%; z-index: 1; } @media scren and (max-width:768px){ .death-statistics-marquee .breaking-news-content{ font-family: 'Cairo', sans-serif; } }