شكّلت النباتات الطبية في محافظة الطفيلة جزءاً لا يتجزأ من حياة المواطنين لعقود طويلة، باعتبارها مصدر دخل موسمي يعتمد عليه الكثير من الأهالي، وفي مواسم الربيع تتحول التلال والوديان إلى وجهة للباحثين عن الأعشاب البرية مثل الزعتر البري والميرمية والقيصوم، حيث يجمعها المواطنون بعناية ويجففونها بطرق تقليدية ثم يبيعونها في الأسواق المحلية أو يرسلونها للعطارين في مدن أردنية مثل عمان؛ لتكون هذه العملية امتدادا للمعرفة الشعبية المتوارثة التي ربطت الإنسان ببيئته الجبلية عبر أجيال وجزء من التراث غير المكتوب للمنطقة.
غير أن هذا التقليد يواجه اليوم تهديدات متعددة، إذ تشير الدراسات البيئية إلى أن الغطاء النباتي في جبال الطفيلة بدأ يتراجع نتيجة الجمع العشوائي للنباتات؛ بالإضافة إلى تأثير التغيرات المناخية والجفاف الذي يزداد مع كل عام، كما دفعت التغيرات الاقتصادية والاجتماعية الكثير من الشباب إلى ترك هذه المهنة التقليدية، بينما ما يزال كبار السن وحدهم يحتفظون بالخبرات المتعلقة بأماكن نمو الأعشاب ومواسم جمعها، حيث تعد المناطق القريبة من محمية ضانا للمحيط الحيوي، الغنية بالتنوع النباتي، أكثر المناطق عرضة للضغط البيئي نتيجة تزايد الطلب على الأعشاب البرية.
ويشتهر الغطاء النباتي في جبال الطفيلة بتنوعه، حيث تنمو مجموعة واسعة من النباتات الطبية والعطرية المرتبطة بالطب الشعبي مثل الزعتر البري المستخدم لمكافحة البكتيريا والالتهابات وتحسين وظائف الجهاز التنفسي، والميرمية المعروفة بخصائصها المضادة للأكسدة ومساعدتها على تهدئة مشكلات الجهاز الهضمي، ونبات القيصوم المستخدم في علاج نزلات البرد وآلام المعدة؛ حيث توضح هذه النباتات ارتباطها العميق بالبيئة الطبيعية والثقافة المحلية، وتنمو في السفوح والوديان كما تزداد كثافتها قرب المحميات الطبيعية، ما يجعل الحفاظ عليها أمراً أساسياً للبيئة والتراث الشعبي.
وأوضح الصيدلي صالح أبو همام أن الإقبال على الأعشاب الطبية ما يزال موجوداً خاصة بين كبار السن الذينA يستخدمونها في بعض الحالات الصحية البسيطة، مشيرا إلى أن بعض النباتات قد تكون مفيدة إذا استُخدمت بطريقة صحيحة لكنها قد تسبب مشكلات صحية عند الإفراط في استخدامها أو تناولها مع أدوية أخرى دون استشارة مختص، مؤكداً أن المعرفة الشعبية حول الأعشاب تحتاج إلى توعية طبية مستمرة لتجنب الاستخدام الخاطئ خاصة مع انتشار بيع الأعشاب في الأسواق دون رقابة صحية واضحة.
بينما علّل مالك محل عطارة أحمد الرفوع انخفاض كميات الأعشاب القادمة من الطفيلة مقارنة بالماضي إلى تراجع عدد الجامعين وتغيرات البيئة الطبيعية، مؤكداً في الوقت ذاته استمرار الطلب على الأعشاب لاستخدامها في المشروبات العشبية والوصفات الشعبية.
وأشار شاب محمود الرفوع إلى أنه يبيع الآن ضمات النعنع والزعتر من السوق المركزي في عمان حيث يقوم أحد بائعي الخضار بتوفيرها له، موضحاً أنه كان يشتري النعنع والزعتر البري مباشرة من المواطنين في الطفيلة، حيث كان يشتري الضمة الواحدة بعشرة قروش ويبيعها للزبائن في الأسواق ب25 قرش، لكنه ومنذ ما لا يقل عن خمس سنوات أصبح يشتري الأعشاب من السوق المركزي فقط، مؤكداً أن السبب يعود إلى أن المواطنين في الطفيلة لم يعودوا يزرعون هذه النباتات بحجة أنها لم تعد تنبت لديهم أو تنبت بشكل ضعيف.
وأشار المهندس بلال الهلول، مدير زراعة الطفيلة إلى أن المديرية تعمل على دعم مزارعي الأعشاب الطبية وتشجيع ممارسات جمع تراعي التجدد الطبيعي للنباتات، موضحاً أنهم يسعون لتقديم برامج تدريبية للمجتمعات المحلية حول كيفية جمع الأعشاب وحفظها بطريقة تحافظ على الغطاء النباتي.
وتوضح الدراسات العلمية أن النباتات الطبية الأكثر شيوعاً في المنطقة تحتوي على مركبات فعالة، فالميرمية تحتوي على بوليفينول ومضادات أكسدة تقلل الالتهاب وتخفف التهيج وتساعد أحياناً في تحسين النوم وتخفيف التوتر، في حين أن الزهرة الشبيهة بالبابونج تحتوي على فلافونويدات وزيوت عطرية مضادة للبكتيريا والالتهابات وتعمل كمهدئ للجهاز الهضمي، ويتميز الزعتر البري بمركب الثيمول الفعال، ويستخدم كمطهر طبيعي وعلاج للسعال ونزلات البرد فضلاً عن فوائده في تحسين الهضم وتهدئة الجهاز التنفسي.
وتوضح هذه الحقائق أن النباتات الطبية في جبال الطفيلة إرث ثقافي وطبي يحتاج إلى جهود متوازنة للحفاظ عليه، تجمع بين حماية البيئة وتنظيم جمع الأعشاب وتعليم المجتمع كيفية استخدامها بطرق آمنة وفعّالة، ويظهر التحدي اليوم في إيجاد التوازن بين الاستفادة الاقتصادية وحماية الموارد الطبيعية وإلا ستصبح هذه النباتات على شفير الانقراض ومعها تختفي معرفة ومهنة تاريخية عميقة الجذور في المجتمع المحلي.