الروابدة : التمويل المستدام تحد رئيسي لمشاريع الصحة الرقمية
تبادل المعلومات الصحية يعزز الاستعداد للأوبئة والطوارىء
أكد المستشار والخبير في إدارة وأنظمة المعلومات الصحية الدكتور أيمن الروابدة أن نجاح الأردن في إدماج أدوات الذكاء الاصطناعي في القطاع الصحي يعتمد بشكل أساسي على بناء منظومة وطنية موثوقة وامنة لتبادل المعلومات الصحية.
وأضاف في تصريح إلى "الرأي" أن هذه المنظومة يجب أن تقوم على بنية بيانات امنة وتشريعات واضحة، تضمن الخصوصية وتعزز الثقة بالأنظمة الرقمية الطبية.
وأوضح الروابدة أن التوجه العالمي نحو استخدام الذكاء الاصطناعي في دعم القرارات الطبية السريرية ورصد الأمراض والتنبؤ بها، يجعل من موثوقية البنية التحتية للبيانات الصحية أولوية استراتيجية، مشيرا إلى أن هذه التقنيات لا تقدم فرصا كبيرة لتحسين جودة الرعاية الصحية فحسب، بل تطرح في الوقت نفسه تحديات متعلقة بحماية الخصوصية وأمن البيانات.
وبين أن اعتماد تقنيات متقدمة مثل الخصوصية التفاضلية وأنظمة الكشف المبكر، عن الشذوذ المعتمدة على الذكاء الاصطناعي، يمكن أن يسهم في رصد محاولات اختراق البيانات أو أنماط الوصول غير المصرح بها في الوقت الحقيقي، الأمر الذي يعزز الثقة في الأنظمة الصحية الرقمية ويحمي بيانات المرضى.
وتشير تقديرات منظمة الصحة العالمية إلى أن ما يقارب 60% من دول العالم، تعمل حاليا على تطوير أو تطبيق استراتيجيات وطنية للصحة الرقمية، في حين يتزايد الاعتماد على الذكاء الاصطناعي، وتحليل البيانات الصحية الضخمة، لدعم القرارات الطبية وتحسين كفاءة الأنظمة الصحية.
كما تظهر تقارير دولية أن أكثر من 80% من المستشفيات في الدول المتقدمة، تعتمد أنظمة السجلات الصحية الإلكترونية، والتي تشكل الأساس لتطبيق تقنيات تبادل المعلومات الصحية والتحليلات التنبؤية في الطب.
وفي الأردن، تتسارع خطوات التحول الرقمي في القطاع الصحي مع توسع استخدام أنظمة السجلات الطبية الإلكترونية، وبرنامج "حكيم" الذي يغطي مئات المرافق الصحية الحكومية، في إطار توجه وطني لتعزيز الربط الرقمي بين المؤسسات الصحية، وتحسين جودة الخدمات الطبية المبنية على البيانات.
ووفق الروابدة فإن دمج نظام تبادل المعلومات الصحية وفق مبدأ "الخصوصية في جوهر التصميم"، يضمن تدريب خوارزميات الذكاء الاصطناعي على بيانات امنة وموثوقة، ويحد من الانحياز في تحليل المعلومات الطبية، بما يعزز الشفافية ويحافظ على ثقة المجتمع في التقنيات الصحية الحديثة.
وأشار إلى أن الأردن ما يزال بحاجة إلى إطار تشريعي شامل ينظم تبادل المعلومات الصحية الإلكترونية، بين مختلف الجهات المشاركة في تقديم الرعاية الصحية، حيث أن غياب القوانين الواضحة قد يعيق فرض معايير الربط والتشغيل البيني بين الأنظمة الصحية المختلفة، كما يحد من قدرة الجهات المعنية على حماية حقوق المرضى، وضمان مشاركة المؤسسات الصحية في النظام الوطني.
وأكد أن الاستفادة من التجارب العالمية في هذا المجال، مثل التشريعات الأوروبية والأمريكية الخاصة بحماية البيانات الصحية، يمكن أن يوفر أساسا قانونيا متينا، يدعم بناء منظومة بيانات صحية وطنية امنة ومتطورة، مع مراعاة خصوصية البيئة التشريعية والمؤسسية في الأردن.
ولفت الروابدة إلى أن إنشاء نظام وطني لتبادل المعلومات الصحية يواجه تحديات متعددة، تتعلق بطبيعة النظام الصحي في الأردن الذي يضم القطاعين العام والخاص، إضافة إلى تعدد مزودي أنظمة تكنولوجيا المعلومات الصحية وتجزؤ المنصات الرقمية المستخدمة في المؤسسات الطبية.
ونوه إلى أن نجاح هذا النظام يتطلب إرادة سياسية قوية وتنسيقا وطنيا واسعا بين الجهات الصحية المختلفة، بما يشمل وزارة الصحة والخدمات الطبية الملكية والمستشفيات الجامعية والقطاع الخاص، مشيرا إلى أن إنشاء لجنة وطنية مركزية للصحة الرقمية قد يسهم في توحيد السياسات وتعزيز الحوكمة والرقابة.
وفيما يتعلق بالتمويل، شدد الروابدة على أن العديد من مشاريع الصحة الرقمية في المنطقة تعتمد على التمويل الخارجي من الجهات المانحة، وهو ما قد يخلق تحديات تتعلق بالاستدامة والاستقلالية التقنية على المدى الطويل.
واعتبر أن الأردن استفاد سابقا من برامج دعم دولية في مجال الصحة الرقمية، إلا أن نجاح نظام تبادل المعلومات الصحية يتطلب في النهاية تمويلا وطنيا مستداما وحوكمة محلية مستقلة، مع إمكانية اعتماد نموذج تمويلي هجين يجمع بين التمويل الحكومي، ومشاركة المؤسسات الصحية الكبرى والدعم الدولي في المراحل الأولى.
وأكد الروابدة أن من الأخطاء الشائعة الاعتقاد بأن الحل الأمثل للتحول الرقمي في القطاع الصحي، هو الاعتماد على نظام واحد من شركة برمجيات واحدة، موضحا أن التجارب العالمية أثبتت أن المستقبل يتجه نحو أنظمة معيارية قابلة للتكامل، تعتمد على معايير تشغيل بيني مفتوحة تسمح بتواصل الأنظمة المختلفة بسلاسة.
وأشار إلى أن إلزام جميع مزودي الأنظمة الصحية بالالتزام بالمعايير الوطنية للترابط وتبادل البيانات، يشكل خطوة أساسية لمنع احتكار البيانات، وضمان قابلية توسع النظام مستقبلا.
وبين الروابدة أن نظام تبادل المعلومات الصحية، يمكن أن يشكل بنية تحتية استراتيجية للتحليلات الصحية والتنبؤ بالأمراض وتعزيز الرقابة على الصحة العامة، حيث تسمح هذه الأنظمة بجمع البيانات الصحية طويلة الأمد للمرضى، وتحليلها لدعم اتخاذ القرار الصحي المبني على الأدلة.
وأضاف أن هذه القدرات التحليلية يمكن أن تساعد الأردن في تحسين توزيع الموارد الصحية، والاستعداد للطوارئ الصحية، ورصد الأمراض الوبائية مبكرا، إضافة إلى دعم البحث العلمي في الجامعات والمراكز الطبية، من خلال توفير قواعد بيانات صحية واسعة يمكن استخدامها في الدراسات السريرية.