في هذا اليوم، وبمناسبة العيد الخامس والخمسين للمؤسسة الصحفية الأردنية/ الرأي، نثر عدد من أبنائها «العتاقى» الذين غادروها، التهنئة للصحيفة وللعاملين فيها، وقد استذكروا تجربتهم الطويلة معها.
وحالت الظروف الصحية لعدد آخر من الزملاء، دون الحديث عن هذه الرحلة، متمنين لـ الرأي وأسرتها، التوفيق، في تأدية رسالتها الوطنية.
وقد سارت «الرأي» خلال السنوات التي عاقرت فيها مهنة الصحافة، على صفيح ساخن بعد أن تعددت الآراء حول كل ما تطرحه من أخبار ومقالات وتحقيقات وكاركاتيرية، كما تعرضت جراء سياستها التحريرية للإغلاق، مرات ومرات.
اليوم، تشهد «الرأي» وفي هذه المرحلة، انتقالاً في مهنة الإعلام وما يسمى بالإعلام الرقمي ليكون رديفاً لما ما تخصصت به كصحيفة ورقية يومية، شكّلت فيها «منبراً» مؤثراً على امتداد أكثر من نصف قرن، رغم الظروف السياسية والاقتصادية التي واجهت الأردن، والتعثر المالي الذي ضرب عصب الإعلام الورقي برمته.
الزملاء سمير الحياري وابراهيم العوايشة ومنعم فاخوري ومحمد وحيش، جمعتهم «الرأي» تحت سقفها، رغم تباين سنوات الخدمة، إذ يعد العوايشة أول من عاصر الصحيفة ومنذ تأسيسها، فماذا قالوا؟
الحياري: دخلتها متدرباً
كنت طالباً في كلية الإعلام في جامعة الملك عبدالعزيز في السعودية عام ١٩٧٩، بدأت وتابعت التدريب في «الرأي» خلال سنوات دراستي، وكان يقود الصحيفة أساتذة عمالقة: جمعة حماد وسليمان عرار ومحمود الكايد ومحمد العمد ورجا العيسى.
تم تعييني في الاول من حزيران للعام ١٩٨٣ وتدرجت في جميع مواقع المهنة، متدرباً ومندوباً ومحرراً ورئيس قسم وسكرتير تحرير ومدير تحرير والى أن شغلت رئيس تحرير ورئيس مجلس ادارة.
هذه الرحلة الطويلة أتاحت لي معرفة زملاء إلى جانب العمالقة الذين ذكرتهم.
لم تكن «الرأي» في تلك المراحل تقبل بالغرباء، لاستلام مواقع كرئيس التحرير أو رئيس مجلس الادارة، وأعني بالغرباء الذين كانت تدفع بهم بعض الحكومات، دون تخصصهم المهني، على عكس الزملاء الذين عاصروا المؤسسة وتركوا بصمات واضحة أمثال إبراهيم سكجها وسليمان القضاة وهاشم خريسات وجورج حواتمة وعبدالوهاب زغيلات، ومجيد عصفور وصولاً إلى الزملاء طارق المومني وراكان السعايدة والرئيس الحالي د. خالد الشقران، فيما رئاسة مجلس الادارة تولاها الزملاء عبدالسلام الطراونة والدكتور خالد الكركي والدكتور فهد الفانك وعلي العايد ورمضان الرواشدة وسميح المعايطة ومحمد التل والدكتور ماهر المدادحة وشحادة ابو بقر.
وعلى صعيد المدير العام كان الزملاء محمد العمد ونادر الحوراني وعمران خير وفريد السلواني.
في المواقع الصحفية الأخرى، كانت دائرة المحليات والمندوبين تعج بزملاء أمثال هاشم خريسات ومجيد عصفور وعبدالله حجازي ويوسف العبسي وعبدالله النسور وممدوح حوامدة وأحمد كريشان وعماد الحمود وعبدالرحمن العبوشي، والقائمة تطول.
أما التحقيقات والمتابعة فقد شغلها الزملاء عبدالله العتوم وعمر عبندة وعلي ابو طبنجة وثلاثتهم كانوا يعملون في وكالة «بترا».
وكان للدائرة الرياضية بقيادة الاستاذ نظمي السعيد دور كبير في انتشار الصحيفة وإلى جانبه فريق عمل قدير ضم الزملاء سمير جنكات والدكتور بسام هارون وعبدالمنعم أبو طوق وآخرين قبل أن يواصل قيادة وعمل الدائرة جيل آخر من الشباب.
وكانت «الرأي» تحظى بكتّاب سياسيين واقتصاديين وثقافيين حيث الزملاء طارق مصاروة وفهد الفانك والدكتور محمد ناجي عمايرة، وبدر عبدالحق وفخري قعوار وأحمد سلامة وباسم سكجها وابراهيم العجلوني والدكتور صلاح جرار وأحمد المصلح وصلاح عبدالصمد، وغيرهم، قبل أن ينضم إلى أسرة الرأي الكاتب عبدالهادي راجي المجالي.
أما الدائرة الاقتصادية، فأذكر من عمل بها في تلك المرحلة الزميل عصام قضماني والزميلة رانيا الهندي والزميلة جمانة غنيمات.
ولا يفوتني ذكر عطاء الأقسام المالية والفنية والإعلانات، إذ برز في رسم الكاريكاتير الزميل رباح الصغير قبل أن يلتحق الزميل عماد حجاج، مثلما كانت لقسم الإعلانات مسؤولية كبيرة برئاسة الزميل سليم سماوي ومساعده الزميل نايف الطراونة.
مطبات
واجهت «الرأي» مطبات بدأت بتأميمها في عهد إحدى الحكومات عندما أقصت المؤسسين والمالكين للصحيفة، وجاءت بالأستاذ راكان المجالي رئيساً للتحرير محل الاستاذ محمود الكايد.
صدام مع الحكومات
لقد عاصرتُ رؤساء حكومات منذ تعييني وحتى مغادرتي، كانت «الرأي» دوماً على صدام معهم، بسبب بعض العناوين والأخبار والصور والقصص والتقارير وفي مواقف كثيرة، إلا أن فزعة الدولة للصحيفة كانت أكبر من أي تدخولات، وكانت حرية الصحافة هي الفائزة في النهاية.
مقابلات مزعجة
اذكر أنني أجريت مقابلة مع رئيس الحكومة الأسبق عبدالرؤوف الروابدة، تحدث فيها كيف بُلّغ بترك الحكومة ونشرت الرأي التفاصيل، فكان اللوم ينهال على الصحيفة، ومؤاخذتنا بالنشر.
وكذلك اذكر مقابلة مع رئيس الوزراء الأسبق، ايضاً، معروف البخيت حول الاجراءات السلبية التي اتخذت خلال الانتخابات النيابية، فألقى البخيت باللائمة على وزير الداخلية حينها، لتصدر الوزارة بياناً وتحمّل المسؤولية للرئيس، وكانت النتيجة أننا في «الرأي» تحمّلنا مسؤولية النشر.
طرائف
ومن الطرائف التي حدثت في عمل «الرأي» وأثارت غضب أحد الوزراء، عندما قام وزير الصناعة والتجارة، آنذاك، محمد عصفور بزيارة إلى العراق، فقمنا بنشر الخبر بعنوان «عصفور يطير إلى العراق» فجنّ جنون الوزير، وفي النهاية اقتنع أنه لا توجد إساءة.
وفي مقال كتبته بـ «الرأي» حول الامتحان الذي تقيمه نقابة الصحفيين للزملاء قلت فيه: «لو سألني الممتحن: كم عدد أعمدة الكهرباء في بلدة صبحة وصبحية، هل يعقل أن أعرف هذا العدد؟»
وإذ بالتهديد والوعيد يأتيني من رئيس البلدية، وأن المقال يحمل اهانة لأهل المنطقة، فأخبرت رئيس التحرير، فاتصل برئيس البلدية وأوضح له المغزى وأنه مجرد مثل، ليس إلا.
رئيس وثلاثة وزراء
وفي مرحلة من مراحل عملي في «الرأي» كنت اسأل نفسي وأنا أشغل منصب رئيس مجلس الادارة: كيف أكون رئيساً لمجلس يضم في عضويته ثلاثة وزراء إعلام هم: صالح القلاب ونصوح المجالي وعلي العايد؟!
العوايشة: خرّجت رجالات دولة
صحيفة الرأي.. سنديانة الصحافة الأردنية، البيت الكبير الدافئ، بأسرتها الواحدة المتكاتفة، هي الأنيس والجليس والخل الوفي، رفيقة القراء والباحثين عن الكلمة والخبر الصادق.
على امتداد ٥٥ عاما ظلت صحيفة الرأي مدرسة للكلمة الحرة الجامعة، تخرّج من بين أجيالها المتعاقبة العديد من رجالات الدولة والمسؤولين على مختلف المستويات.
اذكر أنني تقدمت بطلب للتعيين في الصحيفة عند بداية تأسيسها، حيث وافق مدير عام الصحيفة آنذاك نزار الرافعي على تعييني في الدائرة المالية/ قسم التحصيل، ومن ثم بدأت أكتسب الخبرات اللازمة في العمل المالي والمحاسبي وتدرجت بالعمل حتى استلمت رئسيا لقسم الرواتب والضمان الاجتماعي، ومن ثم رئيسا لشؤون الموظفين، حتى تقاعدي في العام ٢٠٠٣. ليتم تكريمي، من قبل المدير العام اخي وزميلي الاستاذ نادر الحوراني، بدرع الموظف المتميز.
عاصرتُ الرأي منذ الأشهر الأولى لتأسيسها في العام ١٩٧١، وعلى امتداد أكثر من ٣٢ عاما لم اجد فيها الرأي سوى الام الحنون على ابنائها، ولم اجد سوى رغبة ابنائها في تقديم جل جهدهم لترتقي الرأي وتزداد سموا في سماء الصحافة الاردنية والعربية. حيث أذكر أيام البدايات حين كان أبناء الرأي على اختلاف مسمياتهم الوظيفية، يهبون للمساعدة في توزيع الصحيفة على الأكشاك ونقاط البيع، وكيف كان الجميع على قلب رجل واحد في سبيل نجاح الرأي ورفعتها.
ورغم ما مر بها من ازمات، بقيت الرأي وستبقى صامدة في وجه التغيرات والعواصف، بجهد ابنائها المخلصين الأوفياء جيلا بعد جيل، متسلحين بالعلم والتكنولوجيا، لتبقى الرأي كما عهدناها على الدوام منبرًا وطنيًا وركيزة أساسية للإعلام الأردني، عبر تطوير خدماتها الإخبارية ومنصاتها.
كل عام والرأي وأسرتها الكبيرة من متقاعدين وعاملين بألف خير.
فاخوري:«هنا لندن»
تعد تجربة العمل في صحيفة الرأي الأردنية، مدرسة صحفية عريقة ومحطة مفصلية في مسار الإعلاميين بالأردن.
في احد الايام وتحديدا في أوائل عام ١٩٨٢ وكنت اعمل في احدى الهيئات الدبلوماسية التقيت بالأستاذ المرحوم نظمي السعيد، وهو استاذي منذ ايام المرحلة الثانوية، وعرض علي الانضمام إلى أسرة الدائرة الرياضية في «الرأي» محررا ومسؤولا عن ترجمة ورصد الاخبار الرياضية العالمية وكان المصدر في ذاك الوقت اذاعة «هنا لندن» وكنت اتابع الدوري الانجليزي تمهيدا لنشر النتائج في عدد «الرأي» في اليوم الثاني. بدأت اتعلم تحرير الخبر من «ابو السعيد» وكنا نجلس على طاولة مستديرة ونبدأ بالكتابة ثم تمرير ما نكتبه اليه ليبدي ملاحظاته او يطلب منا اعادة كتابة الخبر بعد توجيهات محددة وكان يقول لنا «أكثر من الورق ما في بالجريدة» وهكذا بدأت اتحسن في صياغة الخبر وبنفس الوقت كنت اتعلم من الاستاذ سمير جنكات كيفية اختيار العنوان المناسب والشيّق للحدث.
وفي عام ١٩٨٣ ارسلني «أبو السعيد» الى دورة صحفية للرياضات الأولمبية في جامعة لندن «كوينز كولدج» لمدة شهر، وكبرنا مع «الرأي» العريقة كأكبر صحيفة يومية سياسية تصدر عن المؤسسة الصحفية الأردنية وكبرت معنا فرص صقل المهارات في التغطيات الإخبارية، والتحقيقات، والعمل الميداني.
واكثر ما كان يميز عملنا في الدائرة الرياضية هو اجتماعنا الاسبوعي يوم الجمعة وتحديدا الساعة العاشرة صباحا تمهيدا لأصدار الملحق الرياضي الاسبوعي، أما من يتأخر، فيعاقب باحضار الفطور.
كان الداعم القوي والرئيسي لنا في الدائرة الرياضية المرحوم «محمود الكايد «ابو عزمي» وكانت له مواقف مشرفة في الدعم خاصة عند تقديم جهات عليا ومتنفذة شكاوى بحقنا حتى ان «ابو السعيد» ارغم احد وزراء الشباب والرياضة في حقبة زمنية على الاستسلام؟.
واكثر ما كان يجمعنا بالمحبة هي ايام الشهر الفضيل رمضان، ولا اذكر يوماً واحداً غاب عنا فيه «ابو السعيد» عند الإفطار وتشرفت معه في تقديم وجبات الإفطار التي كانت تزخر بها طاولات الدائرة الرياضية بمشاركة من كان مناوبا من الزملاء في الدوائر الأخرى.
التجارب والذكريات تطول وتطول وتبقى «الرأي» المنصة التي خرجت الكبار.
وحيش: الطراونة أنقذني
التحقت بـ«الرأي» في الثامن من تشرين الثاني للعام ١٩٨٣، في دائرة الإعلانات التي كان رئيسها الزميل سليم سماوي ويساعده الزميل نايف الطراونة، وكان المدير العام الاستاذ جمعة حماد، ويلازمه المدير الإداري محمد العمد ومساعده نادر الحوراني الذي كان له الفضل بعد الله، بتعييني في «الرأي».
كانت دائرة الإعلانات تضم الزملاء عودة العبادي وعيد الزعبي وأكرم عمايرة وحسن العوايشة وثائر حباشنة وجمال العمد وجابر الجزاري وعيسى عمار ومحيي الدين الأفيوني، وجميعنا يتولون تسجيل وحجز الإعلانات الواردة من مختلف الوكلاء في المحافظات وقبض ثمنها حسب حجمها وموقع النشر وإرسالها إلى قسم الصف الذي كان رئيسه الزميل عوض الهندي.
وفي بداية عملي بأيام قمت بتسجيل إعلانين قيمة كل منهما ١٢ ديناراً، إلا أنني سهوت عن قبض المبلغ من المعلن.
وعند حضور المحاسب ليلاً لاستلام قيمة الإعلانات، تبين نقص المبلغ الذي لم استلمه، فأخذ يرفع صوته، فسمعه الزميل الطراونة، وأخذ يقلّب الوصولات بحثاً عن اسم المعلن، وعندما عثر عليه طلب من الموظف المناوب على المقسم محمد فلاح الاتصال به، ليخبره المعلن بعد التأكد من نقوده أنه لم يدفع المبلغ، وبالتالي، خرجت من تهمة كادت تفقدني وظيفتي.
مكثت نحو ١٥ سنة في هذه الدائرة ثم تمت تسميتي مساعداً لمدير الإعلانات حتى عام ٢٠٠٠ قبل أن أُنقل مساعداً للمدير المالي الزميل سمير العمد الذي نقل إلى دائرة أخرى وحل مكانه الزميل أيمن الرواشدة.
وواصلت عملي نحو ١٢ سنة مساعداً للمدير المالي للمتابعة والتحصيل لوكالات الإعلانات قبل أن تتم إحالتي إلى التقاعد وأحظى بشرف التكريم من الزملاء الذين أكنّ لهم كل الاحترام والتقدير، متمنياً لأسرة الرأي بمناسبة عيدها هذا العام كل التوفيق.