رمضان… شهر تتجلى فيه معاني الروحانية والإيمان العميق، وتسمو القلوب بخشوعٍ يُقربها من الله. هو الوقت الذي تُفتح فيه أبواب السماء، وتتساقط الرحمات على النفوس، فتغدو الأرواح نقية والقلوب مطمئنة، وتذوب الهموم أمام وهج الرجاء. رمضان ليس مجرد صيام عن الطعام والشراب، بل مدرسة متكاملة للصبر والانضباط، وفرصة ذهبية لمراجعة الذات وتجديد الصفاء الداخلي. في هذا الشهر، تتضاعف الحسنات، وتُستجاب الدعوات، وتُشعل الأرواح شعلة المحبة والتسامح والعطاء، اقتداءً برسول الله سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، أجود الناس وأكثرهم سخاءً في رمضان. إنه موسم تتصافى فيه القلوب، وتتجدد فيه روح الإنسانية، لتصبح النفوس أقرب إلى الله، وأكثر تصالحًا مع نفسها ومع الآخرين.
وفي هذا السياق، يفيد مفتي محافظة العاصمة، فضيلة الدكتور محمد يونس الزعبي من دائرة الإفتاء العام، أن رسول الله سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم يذكر في نص نبوي كريم: «إن لربكم في دهركم نفحات، ألا فتعرضوا لنفحات ربكم».
ويضيف د.الزعبي: «ومن أجل النفحات وأعظم العطايا والهبات، علينا أن نتفيأ ظلال شهر رمضان الكريم، حيث أول ليلة من ليالي الشهر الفضيل، التي تُفتح فيها أبواب السماء فلا يُغلق منها باب، وتُغلق أبواب جهنم فلا يُفتح منها باب، وتُصفد مردة الشياطين. وينادي منادي السماء: «يا باغي الخير، أقبل، ويا باغي الشر، أقصر»، ويا له من نداء جميل، وما أعذبه من صوت، ففي أبواب الخير كثير، وسبل المعروف متعددة: صيام، قيام، تهجد، تراويح، جود، صدقات، بر وإحسان، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون».
اغتنموا نفحات رمضان… وتنافسوا في أبواب الخير
ويشير د. الزعبي إلى أن رمضان هو شهر الكرم والعطاء، حيث يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وأجود ما يكون في رمضان، حتى يصف بأنه أجود بالخير من الريح المرسلة. ويقول: «إنه شهر المواساة، فمن يفطر فيه صائماً ينال مغفرة لذنوبه وعتقاً لرقبته من النار، وله مثل أجر الصائم من غير أن ينقص من أجره شيء».
ويضيف: «وقد يروي عن الصحابة أن الفقراء كثيرون، وليس كل منا يجد ما يفطر الصائم عليه، فيقول النبي صلى الله عليه وسلم: إن الله يعطي هذا الثواب لمن يفطر صائماً على شربة ماء، أو حبة تمر، أو مذقة لبن. أيها الغني الموسر، هذا الشهر لك، شهر الحسنات وتكفير السيئات وإقالة العثرات ورفع الدرجات. ألا تحب أن تكون رفيقاً لرسول الله في الجنة؟ فاكفل يتيماً، واسعَ على الأرملة والمسكين».
ويتابع د. الزعبي مخاطباً الأغنياء: «قل أيها الغني الموسر، المال مال الله، خذ ما شئت، ودع ما شئت، وما أخذت يكون أحب إلي مما تركت. وقل أيها الغني الموسر: المال مال الله، خذ ما شئت، ودع ما شئت، وما أخذت كان أحب إلي مما تركت. قل أيها الغني الموسر، إن الله قد عوَّدني عادة، وعوَّدتُ عباده عادة؛ عوَّدني ربي أن يعطيني، وعوَّدتُ عباده أن أعطيهم، وأخشى إن قطعت عادتي عنهم أن يقطع عاداته عني».
ويُنهِي د.الزعبي حديثه بمثال حي على الكرم: «تذكروا مقولة التاجر الصالح التي تأتي إليه امرأة تطلب أكلة عسل، فيعطيها جرة من عسل. فيقول له جلساؤه: «يكفيك أن تعطيها اليسير». فيرد عليهم: هي تطلب على قدر حاجتها، ونحن نعطيها على قدر نعمة ربنا علينا. ويا له من درس: فكم لله علينا من نعمة، في أنفسنا، وفي أولادنا، وفي أموالنا! وأما بنعمة ربك فحدث».
رمضان… شهر القرآن والتقوى
يشير أحمد الخطيب، ماجستير الفقه وأصوله، إلى أن الله تعالى اختص شهر رمضان بذكر صريح في كتابه الكريم، فقال سبحانه: «شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىوَالْفُرْقَانِ» (البقرة: 185)، موضحًا أن هذه الآية تبرز مكانة الشهر الفضيل، إذ جعل الله فيه نزول القرآن الكريم، أعظم معجزة للبشرية، فاقترن رمضان بالهداية والرحمة والنور الذي يضيء القلوب ويهدي النفوس.
ويضيف الخطيب أن الصيام عبادة عظيمة فرضها الله على الأمم السابقة، فقال تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ… لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ» (البقرة: 183)، مؤكدًا أن هدف الصيام هو تحقيق التقوى، التي تمثل أسمى مراتب الإيمان، ما يجعل هذا الركن من أركان الإسلام مدرسة روحية للجسد والروح، ووسيلة لصقل النفس وتطهير القلب من شوائب الغفلة.
كما يشيرالخطيب إلى فضل ليلة القدر، التي وصفها الله بأنها خير من ألف شهر، فقال تعالى: «لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ» (القدر: 3)، مشيرًا إلى أن هذه الليلة المباركة تتنزل فيها الملائكة بالرحمة والسلام، فتتضاعف فيها الحسنات، ويزداد فيها ثواب العبادات، لتكون فرصة نادرة للغفران ونيل رضا الله.
ويستشهد الخطيب بما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم في فضل قيام رمضان، حيث قال: «من قام رمضان إيماناً واحتساباً غُفر له ما تقدم من ذنبه»، في دعوة واضحة لاغتنام ليالي الشهر بالطاعة والدعاء والالتزام بالعبادات طلبًا لمغفرة الله ورضوانه.
ويؤكد أن رمضان ليس مجرد صيام عن الطعام والشراب، بل فرصة متجددة لتغيير النفس وتجديد الروح، وإعادة ترتيب حياة الإنسان وكتابة صفحة جديدة من الإيمان والطاعة. وهو أيضًا شهر المواساة، فمن فطر فيه صائمًا، كان مغفرة لذنوبه وعتقًا لرقبته من النار، وله مثل أجر الصائم من غير أن ينقص من أجره شيء. وقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه من فطر صائمًا على شربة ماء أو حبة تمر أو لقمة صغيرة، ينال أجر الصائم، مساويًا بين الكبير والصغير في الأعمال الخيرية.
وينوه الخطيب إلى الجانب الروحي والإنساني للشهر، قائلاً: «على الإنسان أن يصافح قلبه ويبتسم لذاته، ويصالح نفسه، ويطلق أحزانه، ويعلّم همومه الطيران بعيدًا عنه. فالصيام تطهير للجسد من السموم الضارة، وتنقية للنفس من شوائب الغفلة». ويختم حديثه بالقول إن رمضان يمثل فرصة ربانية حقيقية لتجديد الإيمان، وإحياء الروح، وغرس قيم الرحمة والتكافل بين الناس. فكل عمل صالح فيه مضاعف الأجر، وكل دعاء مستجاب، وكل لحظة طاعة تزيد الإنسان قربًا من الله وسموًا بأخلاقه.
حلقات القرآن الكريم تضيء روحانية رمضان
قال الطالب حمزة جبور، من الصف الثامن، إنه ينتظر شهر رمضان المبارك بشوق عميق لما يحمله من أجواء روحانية تملأ القلب بالطمأنينة وتغذي النفس بالسكون. ويضيف أن هذه الروحانية تتجلّى لديه أولًا في حضور حلقات تلاوة القرآن الكريم، حيث يجد في الآيات غذاءً للروح وراحة للنفس، ثم في المشاركة مع أسرته في تزيين المنزل طوال الشهر، كتعبير صادق عن الفرح بقدوم شهر الخير وتجسيد لجمال تقاليده الروحانية.
ويشير حمزة إلى أن هذه الممارسات تمثل تجربة إيمانية وتربوية تغرس في قلبه قيم الصبر والعطاء، وتعزز شعوره بمعاني الرحمة والمشاركة. كما يحرص على أداء صلاة التراويح وتقديم الصدقات، مؤكدًا أن كل لحظة في هذا الشهر الفضيل تغرس في نفسه روحانية صادقة وتترك ذكريات رمضانية نابضة بالسكينة والبهجة.
رمضان… أجواء أسرية تجدد الروح وصفاء القلوب
وفي أجواء أسرية تعبّر عن روح الشهر، تقول رهام العمري، إنها تستقبل شهر رمضان المبارك مع أسرتها وزوجها بفرح كبير، معتبرة أن هذا الشهر يشكّل فرصة ذهبية للتقرّب إلى الله تعالى، مع الحرص على الموازنة بين العبادات وإدارة شؤون المنزل اليومية.
وتضيف أن روحانية رمضان تتجلّى في الصبر، والالتزام بالصيام، وقراءة القرآن الكريم، وأداء صلاة التراويح، والإكثار من الذكر، مشيرة إلى أنها تستثمر الأجر المضاعف في العمل المنزلي وإعداد الطعام وإفطار الصائمين، مؤكدة أن تنظيم الوقت واستحضار النيّة الصادقة هما سرّ نجاحها في التوفيق بين مسؤولياتها الأسرية واحتياجاتها الروحية خلال الشهر الفضيل.
ويبقى رمضان موسمًا تتجدد فيه الروح، وتتطهّر فيه القلوب، وتتعانق فيه القيم على الخير والرحمة. شهرٌ إذا أحسنّا اغتنامه، ملأت الروح بالسكينة، وانصهرت القلوب في صفاء الإيمان، وعزيمة أقوى على مواصلة دروب الطاعة بعد انقضاء أيامه، لتظل نفحاته الإيمانية نورًا ممتدًا يضيء تفاصيل حياتنا ويغرس فينا عمق الإيمان وطمأنينة القلب.