في زاوية صف هادئة جلست "لانا"الطفلة -وهو اسم مستعار -ذات الخمسة أعوام بعيدة عن ضحكات زميلاتها وضجيج اللعب لم تكن تبكي ولم تكن تثير المشكلات لكن لها عالمها الخاص تمسك دمية باهتة اللون وتحدق في الأرض طويلا ولم تظهر رغبة في الحديث او المشاركة او حتى التفاعل البصري المباشر كان حضورها صامتا وصمتها كان مقلقا.
بالنسبة لمعلمة الصف الدكتورة اماني الزعتري لم يكن المشهد عابرا فخبرتها الممتدة لاكثر من احد عشر عاما في وزارة التربية والتعليم الى جانب تخصصها في علم النفس التربوي جعلتها تدرك ان ما يبدو هدوءا قد يخفي قلقا عميقا ومع ذلك تعترف الزعتري إن التعامل مع الأطفال الذين يبدون تحفظًا أو ترددًا في التفاعل الاجتماعي يتطلب أدوات عملية وبيئة صفية واعية في مرحلة الطفولة المبكرة.
في الايام الاولى لم تلجأ الزعتري الى الضغط او الاسئلة المباشرة جلست قرب لانا ترسم بهدوء ثم وضعت صندوقا من الحصى الملون وبدأت ترتبه دون توجيه وكانت تراقب اي اشارة صغيرة وحين مدت لانا يدها ذات يوم وامسكت بحصاة زرقاء ادركت المعلمة ان بابا صغيرا بدأ يفتح.
اعتمدت الزعتري اسلوب التعزيز الايجابي البسيط فكانت تثني على اي استجابة مهما بدت محدودة وبدأت بدمجها تدريجيا في مجموعات صغيرة جدا مع الحرص على اختيار اطفال هادئين يمنحونها شعورا بالامان خطوة بعد اخرى بدأت لانا تخفف من توترها وتتبادل النظرات ثم تشارك في انشطة اللعب الرمزي.
فالتحول الحقيقي ظهر في مناسبة الاذاعة المدرسية حين وافقت لانا بعد تدريب هادئ ومطمئن على التحدث امام زميلاتها بجملة قصيرة عن ترتيب العابها في المنزل كان صوتها خافتا لكنه مسموعا ولحظة التصفيق لم تكن مجرد تشجيع عابر بل اعلان عن ولادة ثقة جديدة.
بحلول نهاية العام لم تعد لانا الطفلة المنعزلة نفسها شاركت في دائرة الحكايات وعبرت عن مشاعرها بكلمات بسيطة وظهرت في حفل التخرج تمسك يد احدى زميلاتها وتدعوها للرقص كان المشهد خلاصة رحلة بدأت بصمت وانتهت بابتسامة.
هذه القصة لم تكن نتيجة اجتهاد فردي فقط بل ثمرة تدريب مهني نوعي تلقته الزعتري خلال مشاركتها في برنامج برنامج التنمية المهنية لمعلمات رياض الأطفال "تأسيسو" في اكاديمية الملكة رانيا لتدريب المعلمين.
وتوضح الزعتري ان البرنامج اعاد صياغة فهمها لمفاهيم البيئة الامنة والنمو الشمولي والتعلم القائم على اللعب وجعلها ترى العلاقة بين الجانب الانفعالي والاجتماعي والمعرفي للطفل كما ركز التدريب على ان الامان النفسي شرط اساسي للتعلم وان تعديل البيئة التعليمية لا يقل اهمية عن تعديل الاستراتيجيات الصفية.
واكدت ان ما طبقته مع "لانا" من التعزيز الايجابي والدمج التدريجي ومراعاة المرونة البيئية لم يكن اجتهادا عشوائيا بل ترجمة عملية لمحاور تناولها البرنامج بعمق خاصة في جانب توجيه السلوك وبناء بيئة داعمة.
وامتد -وفق اماني- اثر التدريب الى مبادرات اوسع داخل الروضة من بينها اطلاق مسابقة للقراءة المنزلية لتعزيز الشراكة مع الاسرة ومشروع تطوير مساحة لعب امنة بالتعاون مع المجتمع المحلي انطلاقا من قناعة بان البيئة المادية والنفسية عنصر حاسم في تشكيل تجربة التعلم
وتختصر الزعتري التجربة بقولها: ان التدريب المهني الحقيقي لا يضيف معلومة فحسب بل يغير زاوية النظر ولعل قصة لانا كانت الدليل الاوضح على ان الاستثمار في تأهيل المعلم ينعكس مباشرة على الطفل وان حصاة زرقاء صغيرة قد تكون بداية طريق نحو ثقة كاملة بالحياة.