١- المشهد الصادم: جنازةٌ في حافلةٍ عامة
تبدأ الحكاية من مشهدٍ سرياليّ يتكرر كل صباح في حافلاتنا العامة بوسط البلد في عمان، أو في "سرافيس" الزرقاء وإربد. انظروا إلى تلك الوجوه؛ ثلاثون بشراً يركبون صندوقاً حديدياً واحداً، تسير أجسادهم فوق تراب الوطن، لكن أرواحهم "مُهجّرة" قسراً إلى عوالم افتراضية خلف شاشات زجاجية لا تتجاوز بضع بوصات. الصمت ليس سكينة، بل هو "خرسٌ اجتماعي" مخيف.
في "طيبة زمان"، كان ركوب الحافلة يعني حواراً عفوياً عن غلاء البندورة، أو دعاءً مشتركاً لمريض، أو "عزومة" عابرة على رغيف خبز ساخن. اليوم، انكسرت "العين" التي كانت تلتقي بالعين، واستُبدلت بـها "الرقبة المنحنية" نحو الأسفل، نحن نعيش "قيامة الآلة" التي لم تأتِ بجيوش من الفولاذ، بل تسللت بنعومة الأفعى إلى جيوبنا، ثم إلى عقولنا، حتى استوطنت أقدس ما نملك: "الخيال الإنساني".
2. محاكمة "الخوارزمية": المبرمج الذي سرق اللهجة والروح
دعونا نتحدث بجرأة لا تعرف المواربة: من الذي يقرر لنا اليوم ما هو "الجميل" وما هو "القبيح"؟ إنه مبرمج شاب يجلس في مكاتب مكيفة في "سيليكون فالي"، لا يعرف عن "رائحة الشيح" في باديتنا شيئاً، ولا يدرك معنى "المنسف" كرمز للصلح والعشرة. هذا المبرمج وضع "خوارزمية" تحكم عواطفنا؛ ترفع "التفاهة" لتصبح "تريند" وطنياً، وتغيب "المفكر" لأنه لا يملك "مهارات الاستعراض".
لقد تحولنا من "ذوات حرة" إلى "بيانات" يتم تداولها في بورصة الإعلانات. عندما تضحك على نكتة "رقمية"، أو تغضب من إشاعة "فيسبوكية"، فأنت لست تمارس حريتك، بل أنت تنفذ "أوامر برمجية" صُممت لتستنزف وقتك وأعصابك. الخوارزمية لا تأكل الخبز، لكنها تسرق "البركة" من وقتك الذي كان يجب أن تقضيه في بناء وطنك أو احتضان أطفالك. إنها "ديكتاتورية ناعمة" تجعلك تعتقد أنك "مؤثر"، بينما أنت في الحقيقة مجرد "مستهلك" مُساق بـ "ريموت كنترول" عابر للقارات.
3. جدلية "أمن الرغيف" و"أمن الشاشة": الجوع الذي لا يرحم
هنا نصل إلى لُب القضية التي تمس كل بيت. لقد وقعنا في "فخ الانفصام الوجودي". انظروا إلى الشاب الذي يقف في طابور المخبز، يده ترتجف بحثاً عن "الدينار" الأخير ليدفعه ثمناً لخبز عياله، لكنه في الوقت ذاته، يستهلك "باقة الإنترنت" ليرى صوراً لأثرياء وهميين يعيشون حياة البذخ. هذا التباين يخلق "وحشاً" من القلق الاجتماعي والحقد الطبقي.
لقد أقنعتنا الرقمنة أن "التواجد الرقمي" هو البديل عن "الوجود المادي". صرنا نهتم بـ "صورة الرغيف" أكثر من "طعم الرغيف". "أمن الشاشة" صار يزاحم "أمن الرغيف" في ميزانية الأسرة الفقيرة. هل يعقل أن نعيش في وطن يُقاس فيه "النجاح" بعدد المتابعين، بينما تُقاس فيه "الكرامة" بالقدرة على الصمود أمام موجات الغلاء؟ إن "رغيف الخبز" الذي كان يُغمس بـ "الملح والرضا"، صار اليوم مُغمساً بـ "المقارنات القاتلة" مع حياة المشاهير الزائفة.
4. "طيبة زمان" ليست ذكرى.. إنها مشروع سياسي
عندما أكتب عن "طيبة زمان"، يتهم البعض مقالاتي بالرومانسية المفرطة أو الحنين للماضي (النوستالجيا). لكنني اليوم أقولها بملء الفم: "طيبة زمان" كانت نظاماً أمنياً واجتماعياً متكاملاً. كانت "العونة" هي "تأميناً اجتماعياً" فطرياً، وكانت "الجيرة" هي "شبكة أمان" حقيقية.
اليوم، استبدلنا "تطبيقات التوصيل" بـ"العونة"، واستبدلنا "الجيرة" بـ "مجموعات الواتساب" الجافة التي لا تنقل إلا التعازي الآلية أو الإشاعات المسمومة بـ " الجيرة".
5. "سيلفي" مع الجثة: تآكل الإحساس بالقداسة
لقد سرقت الرقمنة منا "حرمة اللحظة". هل لاحظتم كيف يهرع الناس لتصوير "حادث سير" مؤلم بدلاً من إسعاف المصابين؟ أو كيف يتم تصوير "جنازة" مهيبة لتحويلها إلى "محتوى" لجلب المشاهدات؟ هذا هو "موت الإنسان" الذي أتحدث عنه. عندما تصبح "المشاهدة" أهم من "المشاركة الوجدانية"، فنحن أمام كائنات "سايبورغ" بشرية، لها قلوب من لحم لكن مشاعرها من "سيلكون".
إن استعادة الإنسان تبدأ من استعادة "الخصوصية". قديماً كان للبيت "حرمة"، وللحزن "وقار"، وللفرح "ستر". اليوم، أصبح كل شيء مستباحاً. لقد فقدنا "الكينونة" لأننا عرضنا كل "أسرارنا" للبيع في المزاد الرقمي. من لا يملك "سراً"، لا يملك "شخصية"، ومن لا يملك شخصية، لا يمكنه أن يكون مواطناً فاعلاً في بناء الأمة.
6. مانيفستو الخلاص: نحو "عصيان رقمي"
إننا بحاجة إلى "ثورة بيضاء" لاستعادة إنسانيتنا المذبوحة على مذبح التكنولوجيا. لا أطالب بهجر التكنولوجيا، فهذا انتحار حضاري، بل أطالب بـ "أنسنتها".
نحتاج إلى "ساعة صمت" يومية، نغلق فيها الشاشات وننظر في عيون أطفالنا.
نحتاج إلى "إعادة هيبة الرغيف" من خلال دعم الإنتاج الحقيقي لا الاستهلاك الرقمي.
نحتاج إلى صحافة وإعلام يعيدان الاعتبار لـ "العقل" بدلاً من "الإثارة".
الخاتمة: صرخة في وادي الحقيقة
هذا المقال ليس مجرد كلمات تُنشر في جريدة، بل هو "وثيقة عهد" مع النفس. إنني أدعو كل قارئ، من الأكاديمي في جامعته إلى العامل في مصنعه، أن يسأل نفسه: متى كانت آخر مرة شعرت فيها بـ "دهشة" حقيقية لم تصنعها الشاشة؟ متى كانت آخر مرة مسحت فيها دمعة جارك بيدك لا بـ "إيموجي"؟
لقد حان وقت العودة إلى "الإنسان". لنفتح الأبواب، ولنخرج إلى ضياء الشمس، ولنشم رائحة ترابنا الذي اشتاق لخطواتنا الواثقة.
نحن بشر.. نحن أرواح.. ولسنا "خوارزميات" في عداد النسيان.