لم يكن قميص المنتخب بالنسبة للأطفال مجرد زي رياضي، بل تحول إلى رمز يشعرهم بأنهم جزء من قصة وطنية أكبر، فالأطفال لا يكتسبون الانتماء من خلال الكلمات أو الدروس وحدها، بل من خلال التجارب التي يعيشونها، والرموز التي يتفاعلون معها، واللحظات التي يشاركونها مع من حولهم، وعندما يرتدي الطفل قميص المنتخب بفخر، فهو لا يقلد اللاعبين فحسب، بل يشارك في تجربة جماعية تربط بين الأسرة، والمدرسة، والحي، والوطن، وغالباً ما تتحول مثل هذه اللحظات إلى ذكريات راسخة تشكل جزءاً من إحساسه بالانتماء طوال حياته.
أما الأردنيون في الخارج، فقد عبروا عن الفكرة نفسها من زاوية مختلفة، فقد أظهرت مشاهد حضورهم الكثيف في الملاعب الأمريكية أن المسافة لا تضعف الارتباط بالوطن، بل قد تزيد الحاجة إلى التعبير عنه، فالمنتخب بالنسبة لكثير منهم لم يكن مجرد فريق كرة قدم، بل أصبح مساحة يلتقون فيها، ويستحضرون ذكرياتهم، وينقلون شعورهم بالانتماء إلى أبنائهم الذين نشأ بعضهم بعيداً عن الأردن، بالنسبة لهذه العائلات، لم تكن متابعة المباراة مجرد حدث رياضي، بل فرصة للتحدث بالعربية، واستحضار الحكايات، وتعريف الأبناء بجزء من هويتهم، والتأكيد أن الانتماء لا يتحدد فقط بمكان الإقامة، بل أيضاً بالرموز، والذكريات، والتجارب التي نحرص على الحفاظ عليها.
هنا تتجلى القيمة الاجتماعية لكرة القدم، فهي لا تزرع الانتماء، لكنها تمنحه لحظات يتجسد فيها، ويتحول من شعور فردي إلى تجربة جماعية يعيشها الجميع، فالعلم، والنشيد، وقميص المنتخب، ولحظات الترقب، والفرح الجماعي بعد التأهل، تتحول جميعها إلى طقوس تعزز الشعور بالانتماء، وفي زمن أصبحت فيه العلاقات الإنسانية أكثر فردية، وتزايد فيه حضور الشاشات على حساب التجارب المشتركة، أصبحت اللحظات التي يعيش فيها المجتمع بأكمله المشاعر نفسها أكثر ندرة وأكثر قيمة، فهي تذكرنا بأن الانتماء لا يُبنى بالرسائل والشعارات وحدها، بل بالتجارب التي يعيشها الناس معاً.
الدرس الذي يمكن أن نستخلصه لا يتمثل في الاحتفاء بكرة القدم عندما يحقق المنتخب إنجازاً فحسب، بل في إعادة النظر إلى الرياضة باعتبارها جزءاً من البنية الاجتماعية للدولة، فالاستثمار في كرة القدم المدرسية، والأندية المحلية، والأكاديميات، والملاعب المجتمعية، لا ينبغي أن يُنظر إليه بوصفه إعداداً لبطولات قادمة فقط، بل باعتباره استثماراً في خلق تجارب مشتركة، وتعزيز التماسك المجتمعي، وبناء القدوات الإيجابية، ومنح الأجيال القادمة فرصاً لتجربة الشعور نفسه الذي جمع الأردنيين داخل الوطن وخارجه خلال هذه الأسابيع الاستثنائية، فكل مباراة تجمع الناس حول هدف واحد، وكل نادٍ يحتضن الأطفال والشباب، وكل ملعب يفتح أبوابه للمجتمع، يسهم في بناء روابط قد لا تظهر في نتائج المباريات أو عدد البطولات، لكنها تظهر في مجتمع أكثر تماسكاً، وأجيال أكثر ارتباطاً بوطنها.
سيبقى تأهل المنتخب الوطني إلى كأس العالم محطة تاريخية في الرياضة الأردنية، لكن قيمته الحقيقية ربما تكمن فيما كشفه عن المجتمع، فقد أظهر أن طفلاً في عمّان، وعائلة أردنية في الولايات المتحدة، يمكن أن يجمعهما القميص نفسه، والنشيد نفسه، والشعور نفسه بالفخر، قد تستغرق مباراة كرة القدم تسعين دقيقة، لكن الانتماء الذي توقظه قد يبقى مدى الحياة.