اكد تربويون انه في ظل الأحداث الإقليمية المتسارعة وما تشهده المنطقة من نزاعات وتوترات تلقي بظلالها على مختلف مناحي الحياة، تبرز الحاجة الملحة إلى ترسيخ مفاهيم التربية الإعلامية والمعلوماتية بوصفها أداة وعي ودرعا وقائيا يحمي الطلبة والمجتمع من الانزلاق خلف الشائعات والمعلومات المضللة.
وأكدوا الى "الرأي" ان التدفق الهائل للمحتوى عبر المنصات الاجتماعية ، وسرعة تداول الأخبار دون تحقق، ساهما في رفع منسوب القلق والتشويش، وأثرا في اتجاهات الطلبة وقراراتهم وسلوكهم، مشيرين الى اهمية إدماج مساق التربية الإعلامية في النظام التعليمي، ونشر الوعي بها عبر وسائل الإعلام وفي المجال العام، بات ضرورة وطنية تسهم في خفض مستوى الشائعات، وتعزيز الاستقرار المعرفي والنفسي، وبناء جيل قادر على التمييز بين الحقيقة والادعاء في زمن تتداخل فيه الوقائع بالتزييف.
بدوره أكد الناطق الاعلامي باسم وزارة التربية والتعليم محمود الحياصات أن إدماج مفاهيم التربية الإعلامية والمعلوماتية في النظام التعليمي لم يعد خيارا تكميليا بل ضرورة وطنية تفرضها التحولات الرقمي المتسارعة، مشددا على أهمية تضمين هذه المفاهيم في المدارس والجامعات، واستقاء المعلومات من مصادرها الموثوقة.
وقال الحياصات الى "الرأي" إن بناء جيل يمتلك أدوات التحليل النقدي والوعي يسهم في تحصين المجتمع ضد الشائعات والمعلومات المضللة، ويعزز قيم المواطنة المسؤولة.
وأوضح أن هذا التوجه يرتكز على عدة محاور أساسية، في مقدمتها التحليل النقدي للمحتوى من خلال تقييم مصدر المعلومات والتحقق من موثوقيته، والتأكد مما إذا كان الناشر معروفا إضافة إلى البحث عن أدلة ومصادر أخرى تؤكد الخبر، في إطار مكافحة الأخبار الكاذبة والشائعات.
وأضاف أن من الضروري تدريب الطلبة على كشف أساليب التزييف، سواء عبر الصور المعدلة، أو العناوين المثيرة، أو المحتوى المفبرك باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، بما يعزز قدرتهم على التمييز بين الحقيقي والمضلل.
وشدد على أهمية ترسيخ أخلاقيات الاستخدام الآمن للفضاء الرقمي، من خلال احترام خصوصية الآخرين وتجنب نشر بياناتهم الشخصية دون إذن، ومحاربة خطاب الكراهية والتحريض والمحتوى المتطرف، فضلا عن احترام حقوق الملكية الفكرية عبر توثيق المصادر والإشارة إليها عند استخدام المعلومات.
وبين أن توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي يمكن أن يشكل أداة داعمة في التحقق من المعلومات وتسريع الوصول إلى مصادر موثوقة، شريطة استخدامه بوعي ومسؤولية.
واكد على أهمية الممارسات اليومية البسيطة في تعزيز هذه الثقافة، داعيا إلى عدم مشاركة أي خبر قبل قراءته كاملا والتحقق من صحته.
من جانبه، قال التربوي سفيان الزويري إن مستويات الوعي لدى الطلبة بمخاطر الأخبار المضللة تتفاوت بشكل لافت، مبينا أن شريحة واسعة منهم تميل إلى استقاء الأخبار من المصادر الرقمية دون امتلاك مهارات «الفلترة الذهنية» الكافية للتحقق من مصداقية المعلومات، ما يجعلهم عرضة لتلقي الشائعات وإعادة نشرها دون وعي بحقيقتها أو بتداعياتها.
وأوضح الزويري الى "الراي"أن تأثير الأخبار المضللة لا يتوقف عند حدود تداولها، بل يمتد ليؤثر في قرارات الطلبة وأفكارهم وردود أفعالهم، مشيرا إلى أن دراسات متخصصة تؤكد أن رفع مستوى الوعي بالتربية الإعلامية يسهم في تقليل هذه الهشاشة الرقمية وتعزيز المناعة الفكرية لدى المتعلمين.
وبين الزويري أن هناك جملة من المسببات التي تفسر التباين في مستويات وعي الطلبة، وتكشف عن تدن ملموس في إدراكهم لمخاطر الأخبار المضللة، في مقدمتها ضعف الوعي والمهارات النقدية لدى الطلبة ومعلميهم على حد سواء، لافتا إلى أن نتائج دراسات تربوية أظهرت أن ما لا يقل عن 80% من المعلمين يرون أن ضعف التدريب على المهارات الإعلامية الرقمية، سواء للمعلمين أنفسهم أو للطلبة، يشكل عائقا رئيسيا ما يترك الطلبة فريسة سهلة لخوارزميات منصات التواصل الاجتماعي غير الموثوقة المصادر.
وأضاف أن من بين الإشكاليات البارزة الخلط القائم لدى الطلبة بين الإعلان والخبر، لا سيما في مراحل الطفولة المتأخرة والمراهقة المبكرة، حيث ينخدع بعضهم بتصنيفات مثل «خبر» أو «محتوى موثوق» رغم أنها لا تستند إلى مصادر حقيقية، وقد تكون مدارة أو منتجة باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي دون رقابة تحريرية مهنية.
وأشار إلى أن مؤشرات الوعي لدى الطلبة تتراوح بين الشك واليقين فبينما يسعى بعضهم إلى التحقق من صحة الأخبار عبر الرجوع إلى مصادر أخرى، يعمد آخرون إلى مشاركة محتوى غير مدقق، ما يعكس فجوة واضحة في مهارات التحقق والتمحيص.
وأكد الزويري ضرورة تفعيل ودمج مهارات التربية الإعلامية داخل الفصول الصفية من خلال مناهج حديثة تواكب التطورات المتسارعة في البيئة الرقمية، موضحا أن تدريس هذه المساقات يرتبط بانخفاض قابلية تصديق المعلومات المضللة، ويعزز من قدرة الطلبة على التمييز بين المصادر الموثوقة وغيرها.
وشدد على أن منهاج التربية الإعلامية يجب أن ينظر إليه كدرع وقائي يحمي الطلبة من التضليل، من خلال تعليمهم آليات التحقق من صحة الأخبار، والبحث عن المعلومة ذاتها في أكثر من مصدر موثوق ومُعرّف لديهم، إضافة إلى تدريبهم على أسس البحث العلمي وأساليب الوصول إلى الخبر الصحيح من مصادره الأصلية والمعتمدة.
من جانبيه قال التربوي أسامة العقايدة إنه في ظل الأحداث الجارية، برزت ظاهرة مقلقة تتمثل في تداول أعداد من الطلبة لأخبار مضللة تتعلق بدراستهم، خصوصا ما يتصل بمواعيد الامتحانات الوزارية، والأجزاء المحذوفة من المناهج، وغيرها من القضايا التعليمية الحساسة.
وأوضح أن هذا الانسياق خلف المعلومات غير الموثوقة لا يقف عند حدود تداول الأخبار فحسب، بل ينعكس سلبا على الحالة النفسية والدافعية لدى الطلبة، إذ يسهم في ضعف الإقبال على الدراسة، وبث مشاعر اليأس من المستقبل، ونشر الخوف والقلق والتشويش، نتيجة اعتمادهم شبه الكلي على وسائل التواصل الاجتماعي كمصدر رئيس للمعلومات، رغم ما تحمله من محتوى مضلل أو محبط في مختلف المجالات.
وبين العقايدة أن لهذه الظاهرة جملة من الأسباب، في مقدمتها إخفاق عدد من الطلبة في امتلاك مهارات التفكير الناقد، وضعف الوعي الإعلامي، إضافة إلى هيمنة مناهج تقليدية ذات طابع علمي بحت، وأنماط تدريس قائمة على التلقين، لا تتيح مساحة كافية للحوار والنقاش.
وأشار إلى أن المعلمين أنفسهم قد يواجهون تحديات تتجاوز قدراتهم، من بينها الأعداد الكبيرة داخل الغرف الصفية، ما يشكل عائقا أمام فتح باب النقاش وإبداء الرأي وتنمية المهارات الحياتية لدى الطلبة.
وفي المقابل، لفت إلى أن من الجوانب الإيجابية التي يمكن البناء عليها ما تتضمنه المناهج الحديثة، لا سيما في مبحثي اللغة العربية واللغة الإنجليزية، من دروس مخصصة للتحدث والمناقشة ضمن كل وحدة دراسية، الأمر الذي يسهم في تعزيز وعي الطلبة بأهمية استقاء المعلومات من مصادرها الصحيحة، ويدعم بناء جيل واع يمتلك القدرة على التمييز بين الحقيقة والادعاء، وبين الخبر الموثوق والمحتوى المضلل، بما يعزز استقرارهم النفسي والفكري في مرحلة تتطلب أعلى درجات الوعي والمسؤولية.