«في المبتدأ..كانت روحانية نقية»
تتنوع الثقافة الشعبية السائدة في المُجتمعات، على مختلف العصور والأزمنة، حيث لم يكن لمجتمع من بيّن المجتمعات البشرية إستثناءًا في تلك الهوية الثقافية التي تميزه عما سواه، سواء في ذات الوقت أو على مر الأوقات الآُخرى.
وكان شهر رمضان المبارك، لما يحمله من روحانيات ومعانٍ اجتماعية عميقة، أحد هذه الأوقات لا بل أعظمها، حيث صاغت المجتمعات الإسلامية عبر التاريخ هويةً ثقافية شعبية تميز الشهر الفضيل.
وكما هي حال كل الثقافات التقليدية، نجحت التكنولوجيا، سيما مع بدايات القرن الحادي والعشرين-الراهن، في إعادة صوغ الثقافة الشعبية المرتبطة بالشهر الفضيل، حتى أنها أحدثت فيه ثورة عظيمة، نسفت جوهر الكثير من طقوسه.
الولائم والعزائم.. بين صلة الرحم والمظهر الاجتماعي الزائف
تميز الشهر الفضيل، في المجتمع الأردني ذات الطابع المُسلم، بنوع من الثقافة الغذائية الباذخة، والتي كانت تلائم الطابع الفلاحي الذي يصطبغ عليه المجتمع، في معظم تكويناته السكانية، فكانت تُقام الولائم الخاصة بالعوائل الممتدة، والتي كانت تقطن في مسكن أو مساكن مجاورة، مشكلة معًا أسرة كبيرة، تضم الجد والجدة، والأبناء المتزوجين ونظرائهم من غير المتزوجين، وأعقابهم، والذين كانوا يتميزوا بالكثرة، خدمة لمصالح الاقتصاد الفلاحي-الزراعي، الذي يحتاج ﻷيادي غزيرة للعمل.
مع تراجع الاقتصاد الفلاحي، والتحول نحو الاقتصاد الخدمي والنصف صناعي-تجاري، مع تراجع وتيرة العناية بالزراعة خلا بعض البيئات الاجتماعية، حافظَّ الأردنيون على ثقافة الولائم، ومع مرور الوقت تحولت هذه الثقافة إلى طقس مُكلف، خالٍ من روحانيته، المرتبطة بصلة الرحم عبر عزومة' الولايا»، حيث وقع في حب الظهور والمباهاة الاجتماعية، طمعًا في المكانة أو خشية من التعرض للوم الاجتماعي، على حساب الكلف المعيشية الصعبة التي يعانيها المرء، مع تآكل المداخيل المتواصل، وتراجع ثقافة العونة.
حيث تتميز الثقافة الغذائية، في المجتمع الأردني، بالتنوع في صنوف الطعام حد البذخ والتبذير، والذي يلاقي مصيره في سلال القمامة، وربما تُسبب الثقافة بأزمة ديون تُرهق الأسرة الأردنية، المُرهقة أصلاً بحكم الوضع المعاشي الصعب.
وكما أن للحلوى مكانة ثقافية مميزة، فإن للخيم الرمضانية، ومبادرات إفطار صائم، التي تنتشر في الشوارع مع رفع أذان المغرب، تمثل جزءاً من الثقافة المحمودة التي ميزت المجتمع الأردني، وهي تمثل أداة تربوية تصوغ الشخصية الخيرية لدى الناشئة من الفتيان المشاركين بها.
التجمعات الرمضانية.. روحانية متراجعة
مع أن صلاة التراويح، والجمعة، تمثل أكثر التجمعات روحانية في الشهر الفضيل، وفرصة لتعزيز أواصر التعاون والتكافل الاجتماعيين، إلا أنهما كحال بقية الطقوس الرمضانية، خلت في بعض الأحيان من قيمتهما الاجتماعية في بعض البيئات، حيث اقتصرت على كونهما طقس ديني فحسب.
مع ذلك، لا زالت بعض البيئات تحافظ على روحانية المناسبتين، وتجعل منهما فرصة للتقارب، وتعظيم التواصل بين الناس، وبناء نموذج تربوي عند الناشئة، يعزز القيم الروحية للشهر الفضيل لديهم.
كما ولا زالت للخيم الرمضانية، مكانة تكافلية، توفر الطعام بشكل معقول للفئات الضعيفة، لكنها لم تنجو من السعي لنيل المكانة وحب الظهور الاجتماعيين.
التكنولوجيا.. بين ذيوع الثقافات الرمضانية ومسح الهوية التقليدية
كما أنها جعلت من الثقافات الرمضانية ممسوحة الهوية التقليدية، لكنها عززت الاتصال مع التباعد الجغرافي بحكم الظروف المعاشية، فالتكنولوجيا وفرت أدوات أفرزت تأثيرات متفاوتة على العادات الثقافية التقليدية في الشهر الكريم.
لعبت جروبات الواتس آب دورًا في تنظيم عزومة الولايا، ما يشبه غرفة العمليات اللافتراضية.
كما ووفرت تطبيقات التوصيل المتعددة، آلية ﻹيصال السكبة، أو الطعام، للأشخاص المقربين منا رغم البعد الجغرافي.
ورغم أن المسلسل الرمضاني حتى وقت قريب، كان مناسبة لتجمع العائلة الواحدة في الغرفة الواحدة، سادت ثقافة تعدد الشاشات داخل السقف الواحد، حيث بات كل شخص مشغول بمشاهدة ما يروق له، عبر المنصات المتخصصة ببث المسلسلات، أو نقل البث التلفزيوني، ما نزع فترة الغروب حتى من دسمها,
هناك من يقول أن فترة الغروب لا زالت تحافظ على بعض قيمتها، ولكن سطوة تعدد الشاشات سوف يأتي على بقاياها في الأسرة عاجلاً أم آجلاً.
لم يكن للسوشال ميديا دورًا هامشيًا، بل رئيسًا في عملية التحول الثقافي، فمع تعدد الشاشات تراجعت مستويات الاجتماعات الأسرية، حتى كادت تختفي بعض البيئات، مع تراجع الكثافة الدينية والأخلاقية، مع تحول الشهر الفضيل إلى تقليد سنوي ثقيل في بعض الأحيان.
ولقد نجحت منصات المشاهدة عبر الانترنت، في الحد من الصراع على الريموت، ما عزز حفظ السلم الأسري في أوقات الحرج المرتبطة بالنرفزة وثورة الغضب الرمضانية.
أخلاقيات متحولة وسلوكيات مرتبطة بالتدخين والقهوة
أسوأ ما يعانيه المجتمع الأردني خلال الشهر الفضيل، هو تدني الانتاجية، تعاظم المشاكل السلوكية خلال الشهر الفضيل، حيث تكثر المشاجرات في ساعات ما بين العصر وقبيل الغروب، حتى أن البعض يدعو إلى عدم مغادرة المنزل ما بين الساعة الرابعة مساء وحتى فترة الغروب-بعد الإفطار.
وتنتشر في ساعات ما قبل الغروب «النرفزة المرورية»، مُعززة بتراجع مستويات الكافيين والنيوكتين عند شريبي القهوة المدخنين-كافة أنواع التدخين، ما يعظم بعض السلوكيات المنحرفة والتي تتمثل بالمشاجرات، والتي قد تصل حد القتل أحيانا.
وكون الشعب الأردني من الشعوب المحبة لشرب القهوة، فإنه يعاني من آثار انسحابية، نتيجة الإدمان على الكافيين كمنظم للمزاج، ما يحفز الدماغ على الاحتجاج، عبر الشعور بالصداع النصفي.
ولكن النيكوتين، يؤثر بشكل مباشر على مراكز الهدوء في الدماغ، ما يعظم من المتاعب التي يجابهها المدخنين خلال نهار شهر رمضان.
ويلجأ الناس إلى حيل للتخفيف من حدة آثار تلك الاحتياجات، عبر الهروب إلى النوم، وتأخير وقت السحور، للمحافظة على أطول مدة ممكنة من تأثير الكافيين والنيكوتين.
ومن اللافت، أنه ورغم بعض الخمول والكسل، إلا أن الناس من غير المدخنين أو شاربي القهوة، أقل ميلاً للعصبية، على خلاف المدخنين الأكثر اندفاعية في المشاجرات.
وتنصح الدراسات في تجنب الصدام، خلال فترات الذروة، والتي تبدأ من الساعة الثالثة والنصف مساءً، وتتركز في الأسبوع الأول من الشهر الفضيل، نتيجة التغير المفاجئ في النمط السلوكي المرتبط بالغذاء والتدخين وشرب القهوة.