في تقدم علمي قد يفتح آفاقًا جديدة لفهم مرض ألزهايمر، تمكن فريق من الباحثين من رسم أدق خريطة حتى الآن للشبكات المسؤولة عن التحكم الجيني داخل أدمغة المصابين بالمرض، مستخدمين نظامًا متطورًا يعتمد على الذكاء الاصطناعي.
الدراسة، التي قادها فريق من جامعة كاليفورنيا في إيرفاين، لم تقتصر على تحديد الجينات المرتبطة بالمرض، بل تجاوزت ذلك لتوضح أي الجينات تتحكم في أخرى، أي من يقود التغيير ومن يتأثر به، وهو ما يمثل خطوة كبيرة نحو فهم آليات المرض بشكل أعمق.
عادةً، تُظهر الدراسات الجينية أن بعض الجينات "تتحرك معًا"، لكن هذا لا يعني أن أحدها يسبب الآخر. والجديد في هذه الدراسة أن النظام المطور، المسمى SIGNET، صُمم للتمييز بين الترابط والسببية. بمعنى آخر، يمكن للنظام التعرف على الجينات التي تشعل سلسلة من التغييرات داخل الخلايا، وهو ما يتيح رؤية ديناميكية لتطور المرض على المستوى الجزيئي.
اعتمد الباحثون على بيانات جينية مفصلة مأخوذة من عينات دماغ 272 شخصًا شاركوا في دراسات طويلة عن الشيخوخة والذاكرة. كما تم تحليل الجينات على مستوى الخلية الواحدة، مما أتاح فهمًا دقيقًا لما يحدث داخل كل نوع من خلايا الدماغ.
وأظهرت النتائج أن أكبر اضطراب يحدث في نوع محدد من الخلايا العصبية يُعرف بـ"الخلايا العصبية الاستثارية"، المسؤولة عن إرسال الإشارات المنشطة في الدماغ. وفي هذه الخلايا، اكتشف الباحثون نحو 6 آلاف علاقة سببية بين الجينات، ما يشير إلى أن الشبكة الجينية تُعاد برمجتها بشكل واسع مع تقدم المرض.
كما حدد الفريق مئات ما يُسمى بـ"الجينات المحورية"، وهي جينات تتحكم في عدد كبير من الجينات الأخرى، ويُعتقد أنها تلعب دورًا رئيسيًا في تسارع تدهور الدماغ. هذا الاكتشاف يتيح تصورًا جديدًا لكيفية إدارة المرض لتفاعلات الجينات داخل الخلايا العصبية وتأثيرها على وظائف الدماغ الحيوية.
ماذا يعني ذلك للمرضى؟
ألزهايمر هو السبب الأكثر شيوعًا للخرف، ومن المتوقع أن يصيب ملايين إضافية خلال العقود المقبلة. ورغم معرفة بعض الجينات المرتبطة بالمرض، ظل السؤال الأهم قائمًا: "كيف تُعطّل هذه الجينات عمل الدماغ فعليًا؟".
وتقدم الخرائط الجديدة إجابة أكثر وضوحًا، إذ تكشف كيف تبدأ التغييرات، وكيف تنتشر داخل الخلايا، وأي الجينات يمكن استهدافها مستقبلًا بالعلاج. والأهم من ذلك، أن الفريق أكد نتائجه باستخدام عينات مستقلة إضافية، مما يعزز الثقة بأن هذه الشبكات الجينية تعكس آليات حقيقية للمرض.
ويؤكد الباحثون أن تحديد "مراكز القيادة الجينية" قد يمهد الطريق لتطوير أدوية تستهدف الجينات المحورية قبل أن تتفاقم الفوضى داخل الخلايا. كما يمكن استخدام تقنية SIGNET لدراسة أمراض أخرى معقدة، مثل السرطان وأمراض المناعة والاضطرابات النفسية، ما يفتح آفاقًا واسعة لفهم الشبكات الجينية في مختلف الأمراض.
والخلاصة أنه بدل النظر إلى الجينات كقائمة أسماء، أصبح بالإمكان فهمها كشبكة قيادة معقدة. وبفضل الذكاء الاصطناعي، بدأ العلماء للمرة الأولى في رؤية من يدير اللعبة الجينية داخل دماغ ألزهايمر، وربما اكتشاف طرق لإيقافها قبل أن تتسبب في فقدان الذاكرة والفقدان التدريجي للوظائف العقلية.