يظن كثيرون أن الانتظام في ممارسة الرياضة هو الطريق الأسرع لخسارة الوزن، غير أن التجربة العملية لدى عدد كبير من الناس تكشف واقعًا أكثر تعقيدًا؛ إذ يواظب البعض على التمارين لأسابيع أو أشهر من دون أن يلحظوا تراجعًا ملموسًا في أرقام الميزان.
دراسة علمية حديثة سعت إلى تفسير هذه المفارقة، وقدّمت طرحًا قد يغيّر الطريقة التي نفهم بها علاقة التمارين بحرق السعرات الحرارية. الدراسة، المنشورة في مجلة Current Biology، تشير إلى أن الجسم لا يتعامل مع الطاقة المحروقة أثناء النشاط البدني بالآلية البسيطة التي ظلّت سائدة في الأوساط العلمية لسنوات.
على مدى عقود، اعتمد الباحثون ما يُعرف بـ«النموذج الإضافي» في حساب استهلاك الطاقة. ويقوم هذا النموذج على فكرة أن إجمالي السعرات التي يحرقها الإنسان يوميًا يساوي احتياجاته الأساسية للحياة — مثل التنفس ووظائف الأعضاء — مضافًا إليها ما يُحرق خلال التمارين. وبحسب هذا التصور، إذا كان الشخص يستهلك 2000 سعرة حرارية يوميًا في وضعه الطبيعي، ثم مارس نشاطًا رياضيًا يحرق 400 سعرة إضافية، فإن إجمالي الاستهلاك يرتفع إلى 2400 سعرة، ما يُفترض أن ينعكس مباشرة على فقدان الوزن.
غير أن هذا الفهم بدأ يتراجع في السنوات الأخيرة. ويطرح باحثون ما يُعرف بـ«النموذج المقيَّد» لاستهلاك الطاقة، والذي يفترض أن للجسم حدًا شبه ثابت لإجمالي ما يمكن أن يحرقه من سعرات. ووفق هذا النموذج، عندما ترتفع مستويات النشاط البدني، يعوّض الجسم جزءًا من الطاقة المصروفة عبر تقليص استهلاكها في وظائف أخرى أقل أولوية، مثل بعض عمليات إصلاح الخلايا أو جوانب من النشاط الأيضي.
بعبارة أخرى، فإن جزءًا من السعرات التي يُفترض أننا نحرقها في صالة الرياضة لا يُضاف بالكامل إلى إجمالي الاستهلاك اليومي، لأن الجسم يعيد توزيع موارده للحفاظ على توازنه الداخلي.
وفي هذا السياق، حلّل باحثان من جامعة ديوك الأميركية بيانات 14 دراسة شملت نحو 450 مشاركًا خضعوا لبرامج رياضية مختلفة، إلى جانب مراجعة نتائج أبحاث أُجريت على الحيوانات. وقارن الفريق بين كمية الطاقة التي يُفترض نظريًا أن يحرقها الجسم، وتلك التي استُهلكت فعليًا وفق القياسات الدقيقة.
وأظهرت النتائج أن نحو 72 في المائة فقط من السعرات المحروقة أثناء التمارين تُضاف فعليًا إلى إجمالي الإنفاق اليومي للطاقة، فيما يُعوَّض نحو 28 في المائة منها عبر آليات داخلية مختلفة. وتختلف هذه النسبة من شخص إلى آخر، لكنها تظل كافية لتفسير سبب عدم تحقق خسارة الوزن المتوقعة لدى كثيرين رغم الالتزام بالتمارين.
هل يعني ذلك أن الرياضة غير مجدية في إنقاص الوزن؟ الباحثون يشددون على أن الإجابة هي: لا. فالتمارين الرياضية تظل عنصرًا أساسيًا في الحفاظ على صحة القلب والأوعية الدموية، وتنظيم مستويات السكر في الدم، وتحسين الحالة المزاجية، وبناء الكتلة العضلية، إضافة إلى تقليل مخاطر الإصابة بعدد من الأمراض المزمنة.
إلا أن الدراسة تؤكد في الوقت ذاته أن الاعتماد على التمارين وحدها قد لا يكون كافيًا لتحقيق خسارة وزن ملموسة، ما لم يترافق ذلك مع تعديل في النظام الغذائي. فخفض السعرات الحرارية المتناولة يبقى عاملًا حاسمًا، إلى جانب النشاط البدني المنتظم.
وتخلص النتائج إلى أن الجسم يعمل بآليات تنظيم دقيقة تجعله أكثر تكيفًا مما نتصور، إذ يسعى دائمًا إلى الحفاظ على توازنه الداخلي حتى مع زيادة الحركة. ومن ثم، فإن فقدان الوزن بصورة فعّالة يتطلب استراتيجية متكاملة تقوم على تغذية متوازنة وواعية، ونشاط بدني مستمر، ونمط حياة صحي قابل للاستدامة، بدل التعويل على التمرين وحده بوصفه حلًا سحريًا.