تستضيف لجنة السينما في مؤسسة عبد الحميد شومان، مساء يوم غد الثلاثاء، عرض الفيلم البوتاني «الراهب والبندقية» (2023) للمخرج باو تشوينغ دورجي، وذلك عند الساعة السادسة والنصف مساءً في قاعة السينما بمقر المؤسسة في جبل عمّان، ضمن برنامجها المخصص لعرض أفلام من ثقافات وتجارب سينمائية مختلفة.
يفتتح الفيلم مشاهده الأولى بلوحات طبيعية آسرة تعكس روح بوتان الهادئة، حيث تتناغم الجبال الخضراء مع سنابل القمح المائلة بثقل الغلة، وألوان الأزهار المحلية، على إيقاع موسيقى ناعمة يقودها صوت الناي، في استحضار شاعري لصفاء المكان وبراءته، ولعلاقة الإنسان العميقة بالطبيعة والروح.
وتدور أحداث الفيلم في لحظة مفصلية من تاريخ بوتان، الدولة التي عاشت زمناً طويلاً في عزلة نسبية عن العالم، قبل أن تقرر قيادتها الروحية إدخال نظام الانتخابات الديمقراطية. هذا التحول المفاجئ يربك حياة الناس البسيطة، فتبدأ الحكومة بإطلاق حملات توعوية لتعليم السكان آليات التصويت، من خلال انتخابات تجريبية، تصل إحداها إلى بلدة «أورا» بقيادة السيدة «تشومو».
وتواجه بعثة الانتخابات تحديات غير متوقعة، أبرزها أن كثيراً من الأهالي لا يعرفون تواريخ ميلادهم لتحديد السن القانونية، إضافة إلى صعوبة إقناعهم بأهمية العملية الانتخابية. ويأتي الرد العفوي من السكان، حين يُقال لهم إن الانتخابات ستجلب السعادة، بعبارة تختصر موقفهم: «لكننا سعداء».
في موازاة ذلك، يساور القلق اللاما، صاحب السلطة الروحية في البلدة، فيقرر قطع عزلته ويكلف الراهب الشاب «تاشي» بمهمة غامضة: إحضار بندقيتين قبل اكتمال القمر. ينطلق الراهب في رحلته دون معرفة الهدف الحقيقي من الطلب، أو حتى طبيعة السلاح، سوى ما شاهده في أفلام «جيمس بوند».
وتتشابك الخيوط مع وصول تاجر أسلحة أميركي يُدعى «رون» إلى البلدة، بمساعدة مترجم محلي، في سعيه لشراء بندقية قديمة تعود إلى زمن الحرب الأهلية الأميركية. وبينما يُبرم اتفاق البيع، يصل الراهب الشاب إلى صاحب البندقية الذي يسلّمها له طواعية ومن دون مقابل، في مشهد يعكس الفارق بين منطق الروح ومنطق السوق.
يرصد الفيلم تصاعد التوتر داخل البلدة، مع انتشار الشكوك والاتهامات، ومتابعة الشرطة لتحركات التاجر الأميركي، بالتوازي مع استمرار محاولات فريق الانتخابات ترسيخ مفاهيم الديمقراطية. وتتجه الأنظار إلى نوايا اللاما، الذي يصر على عقد اجتماع عام يحضره جميع الأهالي ورئيسة بعثة الانتخابات.
وفي مشهد مفصلي، يكشف اللاما عن غاية طلبه للبنادق: بناء صومعة جديدة على طريقة الأجداد، تُستخدم لتخزين الطعام والدواء، وللتأمل والصفاء الروحي. ويقوم بإلقاء البنادق، ومعها كل أشكال السلاح، في حفرة تُطمر لاحقاً بالإسمنت لتصبح أساساً للبناء، في طقس جماعي يشارك فيه الجميع، بما في ذلك الشرطي والطفل الذي يحمل لعبة مسدس.
يطرح الفيلم أسئلة عميقة حول معنى الديمقراطية حين تُنقل كنموذج جاهز إلى مجتمعات ذات خصوصية روحية وثقافية، وحول الثمن الذي قد يُدفع مقابل التغيير السريع. كما يبرز التناقض بين ثقافة التملك المادي والقيم القائمة على البساطة والتشارك، دون أن يغلق الباب تماماً أمام ضرورة التطور والإصلاح.
ويقدم «الراهب والبندقية» صورة بانورامية غنية عن طبيعة بوتان وإنسانها، من خلال تصوير هادئ ومتأمل، وأداء عفوي للشخصيات، وموسيقى تنسجم مع إيقاع المكان وروحه، في فيلم يجمع بين الحكمة، وروح الدعابة، والتأمل في علاقة الإنسان بالقيم، وسط عالم سريع التغير.