يتيح معرض "لاعب النرد" مساحة للتأمل في تجربة الشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش بوصفه مرآة مكثفة لوجدان الأمة، وسجلاً مشحوناً بتقلبات الإنسان العربي في زمن مضطرب.
إذ تتحول تجربة درويش في أروقة المعرض المقام ببيت الحكمة في الشارقة، إلى رحلة بين الإنسان والتاريخ، والذاكرة واللغة، والحب والفقد؛ حيث تتشكل الهوية في تلاقٍ مستمر مع الغياب والحنين والأسئلة الكبرى التي لا تنتهي.
ومن خلال أعمال يمتزج فيها الرومانسي بالانفعالي والنضالي والإنساني، يتجلى حضور درويش في تحول قصائده إلى سجل حي ومرآة تعكس الشخصية العربية المعاصرة، وتكشف عن تناقضاتها الداخلية ومعاناتها بين الحنين للوطن وألم الشتات.
ووفقا لبيان صحفي عن الجهة المنظمة، "يحمل درويش وجوهنا جميعاً في هذا المعرض، الذي استلهم اسمه من أشهر قصائد درويش، نلتقي وجهاً لوجه مع الشاعر والرمز الذي عرف نفسه بنفسه من خلال ستة أوجه، كأوجه النرد، تعيد رسم ملامح الابن الذي حمل قريته في الذاكرة بعد أن غادرها؛ والشاعرِ الذي أعاد تعريف اللغة؛ والمنفِيّ الذي حول الغياب إلى وطن؛ والعاشق الذي صاغ من الحب أنشودة حياة؛ والمقاوم الذي جعل من القصيدة وطناً؛ والغائب الحاضرِ الذي ظل صوتُه أكثر حضوراً بعد الرحيل".
ينسج المعرض تجربة تفاعلية متعددة الجوانب، لا تكتفي بالتوثيق البصري لسيرة محمود درويش، بل توظف تقنيات سمعية وبصرية حديثة تتيح للزائر الانغماس في عالمه الشعري والنثري، وتتبع تحولات صوته الإبداعي عبر محطات حياته المختلفة.
ومن خلال التأمل في طفولته المبكرة في قرية «البِرْوة» بفلسطين وتأثيرات البيئة التي شكلت وعيه الأدبي، وصولاً إلى الأعمال التي كتبها خارج فلسطين، يقدم المعرض قراءة غير تقليدية لمسيرة درويش؛ قراءة لا تلتزم بالتسلسل الزمني بقدر ما توثق التحولات الجوهرية في رؤيته الشعرية.
وفي تداخل متقن بين الكلمة والصورة والموسيقى، تتحول تجربة الزائر إلى رحلة تعبيرية تُجلّى إيمان درويش بقوة الكتابة كفعل وجودي يقاوم الغياب؛ فالكتابة عنده هي الحبل الذي يمسك بالأمل ويشق الطريق نحو الحرية وانتصار الروح والإرادة على قسوة الواقع وبطش الاحتلال، كما أعلن هو بنفسه في جداريته الشهيرة: «سأصير يوماً ما أريد».
وعلى امتداد أربعة أشهر، يقدم بيت الحكمة برنامجاً ثقافياً متكاملاً يواكب هذا المعرض، ويتجاوز فكرة الاحتفاء التقليدي إلى بناء تجربة حية يتقاطع فيها الشعر والسينما والموسيقى والحوار الثقافي.
ويشمل البرنامج عروض أفلام وثائقية، من بينها فيلم «محمود درويش… والأرض كأنها لغة»، إلى جانب جلسات شعرية وأدبية ضمن برنامج «حديث الحكمة»، وأمسيات شعرية بالتعاون مع جمعية شعراء الإمارات، بمشاركة شعراء ونقاد وأدباء منهم من عاصر درويش وأسهم في مقاربة تجربته عبر القراءة والتأمل.
ويعزز المعرض حضوره الجمالي عبر عروض فنية وموسيقية نوعية، من أبرزها فقرة موسيقية قدمها الفنان مارسيل خليفة أثناء حفل الافتتاح، مستوحاة من قصائد درويش مثل «ريتا» و«أمي» و«في البال أغنية». كما يضم المعرض أعمال الفنانة منى السعودي ضمن مشروع «تحية إلى محمود درويش»، وأعمال الفنان التشكيلي سليمان منصور، وفي مقدمتها لوحته الأيقونية «جمل المحامل» التي تختزل معاناة الفلسطينيين وصلابتهم معاً.
ويأتي تنظيم هذا المعرض الاستثنائي كثمرة تعاون مؤسسي بمشاركة المتحف الفلسطيني، ومؤسسة محمود درويش، ومركز خليل السكاكيني الثقافي، ومؤسسة بارجيل للفنون، و«أكتوبر غاليري» في لندن.
وبحسب البيان، يجسد المعرض "الفهم العميق لبيت الحكمة للثقافة العربية بوصفها أداةً لتمكين الإنسان العربي من قراءة ذاته وتاريخه في لحظات التحول والاضطراب". ومن هذا المنطلق، يُعاد تقديم محمود درويش "نموذجاً للمثقف الذي اشتغل داخل اللغة ذاتها، وجعل من الشعر مساحة نقدية مفتوحة تُبقي الواقع في المقدمة رغم محاولات الطمس والتغييب، وتصل بين الحساسية الجمالية والوعي السياسي، وبين الشعر بوصفه فناً وبوصفه معرفة".
بهذا المعنى، يقدم «لاعب النرد» محمود درويش للجمهور "باعتباره ضرورة راهنة، لا بوصفه ذاكرة منجزة، بل سؤالاً ثقافياً مفتوحاً في لحظة مفصلية: كيف نعيد فهم ذواتنا حين يتشابك العالم من حولنا؟".
ويقترح المعرض الممتد حتى 13 آذار ٢٠٢٦ تزامناً مع ذكرى ميلاد درويش، أن الإجابة تبدأ من اللغة، ومن الثقافة القادرة على إعادة الإنسان إلى مركز المعنى، بوصفه كائناً مرئياً، ومفكّراً، وحاضراً في تاريخه.