في النقاش العام داخل القطاع العام الأردني، كثيرًا ما تُقدَّم الحوكمة وكأنها عبء إداري، أو عائق أمام سرعة القرار، أو قيدٌ يحدّ من "مرونة" المسؤول. لكن هذا التصوّر، رغم شيوعه، يعكس فهمًا منقوصًا لدور الحوكمة الحقيقي.
الحوكمة، في جوهرها، لا تُبطئ الحركة… بل تمنع الحوادث تمامًا كما تفعل إشارة المرور: لا تُغلق الطريق، ولا تمنع السير، لكنها تنظّم الاتجاهات وتمنع التصادم. المشكلة ليست في وجود الإشارة، بل في تجاهلها.
في القطاع العام الأردني، شهدنا خلال السنوات الماضية قرارات سريعة، ومشاريع أُطلقت بحماسة، واتفاقيات وُقّعت بنيّة حسنة، لكنها اصطدمت لاحقًا بواقع قانوني أو مالي أو رقابي، فتحوّلت من "إنجازات" إلى أزمات، ومن مبادرات إلى ملفات مساءلة. هنا لا يكون السؤال: لماذا تأخر القرار؟ بل: لماذا لم يُحكم القرار منذ البداية؟
غياب الحوكمة لا يظهر فورًا.
بل يتسلل بهدوء:
تضارب صلاحيات بين جهة وأخرى،
تغوّل الإدارة التنفيذية على الدور الرقابي.
قرارات فردية تُتخذ باسم المصلحة العامة دون إطار مؤسسي
لجان شكلية لا تملك الاستقلال ولا الأدوات،
ثم عند أول أزمة، يبدأ البحث عن شماعة: النظام، التشريعات، الرقابة، أو حتى "الظروف" فالحوكمة الرشيدة في القطاع العام لا تعني تعقيد الإجراءات، بل وضوحها ولا تعني نزع الصلاحيات، بل تحديدها ولا تعني إضعاف القيادات، بل حمايتها فالمسؤول الذي يعمل ضمن إطار حوكمة واضح:
يعرف حدود صلاحياته،
يستند إلى قرارات مؤسسية لا شخصية
يحتمي بالأنظمة بدل أن يصطدم بها لاحقًا،
ويُسأل بعدالة، لا بانتقائية.
في التجارب الدولية الناجحة، لم تكن الحوكمة سببًا في تعطيل التنمية، بل كانت شرطًا أساسيًا لاستدامتها. والقطاع العام الأردني، بما يملكه من كفاءات وتشريعات، لا يحتاج إلى مزيد من القوانين بقدر ما يحتاج إلى تفعيل الحوكمة كمنهج عمل لا كشعار.
الخطر الحقيقي ليس في الرقابة…
بل في غيابها.
وليس في المساءلة…
بل في انتقائيتها.
وليس في التنظيم…
بل في الفوضى التي تُسمّى أحيانًا "مرونة".
في النهاية، الحوكمة ليست خصمًا للإدارة، ولا عدوًا للسرعة، ولا قيدًا على الإنجاز.
هي ببساطة: الضمانة الوحيدة أن نصل بسرعة دون أن نصطدم.