تستفيق المجتمعات مراراً على فواجع تهز الأبدان؛ حوادث سير مروعة، جرائم قتل أسرية، أو اعتداءات عشوائية، القاسم المشترك بينها ليس «القدر» كما يحلو للبعض أن يبرر، بل تلك الغيمة السوداء التي تغلغلت في عروق الجاني فأفقدته إنسانيته، إننا نتحدث عن وحش «الإدمان» الذي بات ينهش في جسد المجتمع، محولاً طاقات الشباب إلى قنابل موقوتة تنفجر في وجه الأبرياء، ليرسم بدمائهم لوحة من الحزن والضياع لا تمحوها الأيام.
لكن السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه بقوة: هل المجرم هنا هو «المدمن» وحده؟ إن وضع الجاني تحت مجهر الإدانة الفردية هو هروب من مواجهة الحقيقة الكاملة. فخلف كل جرعة قاتلة هناك «سوق» نشط، وخلف كل ضحية هناك ثغرة في جدار الحماية المجتمعي، إن وضع المدمن بين «سندان» حاجته للمادة المخدرة و"مطرقة» غياب الرقابة الصارمة، يجعل من وقوع الجريمة مسألة وقت لا أكثر، وهو ما يضعنا أمام مسؤولية تضامنية لا تقبل التجزئة.
إن «الغياب الرقابي» لا يتجسد فقط في ضعف القبضة الأمنية على الحدود أو في ملاحقة المروجين، بل يمتد ليشمل الرقابة المؤسسية والتشريعية، وعندما تتوفر العقاقير المخدرة والمواد التخليقية بأسعار زهيدة وفي متناول المراهقين، وعندما تغيب الحملات التفتيشية عن بؤر التفشي المعروفة، يصبح الصمت هنا بمثابة ضوء أخضر لتجار الموت ليواصلوا حصد الأرواح دون رادع حقيقي يعيد للأمان هيبته.
وبالانتقال من الرقابة الرسمية إلى الرقابة الأهلية، نجد أن الأسرة قد تخلت في كثير من الأحيان عن دورها كـ «خط دفاع أول»، فالانشغال بسباق الحياة المادي أدى إلى اتساع الفجوة بين الآباء والأبناء، مما جعل الشباب لقمة سائغة لرفقاء السوء ومروجي الأوهام، كما إن غياب الحوار الأسري والمتابعة اللصيقة للسلوكيات المتغيرة هو الذي يمهد الطريق لانزلاق الفرد في مستنقع الإدمان، قبل أن يستيقظ الجميع على كارثة لا ينفع معها الندم.
إضافة إلى ذلك، لا يمكن إغفال الدور السلبي لبعض المنصات الإعلامية ووسائل التواصل الاجتماعي التي قد تساهم -بقصد أو بدون قصد- في «تطبيع» صورة المدمن أو تصوير المادة المخدرة كنوع من الهروب من الواقع أو الرفاهية الزائفة، كما إن هذا التهاون في تقديم المحتوى الإعلامي يضعف الوعي الجمعي، ويجعل من السهل اختراق عقول الشباب بشعارات براقة تخفي خلفها أنياب الموت، مما يستدعي رقابة فكرية توازي في أهميتها الرقابة الأمنية.
إن دماء الأبرياء التي تسيل في شوارعنا ليست مجرد أرقام في تقارير الشرطة، بل هي صرخة استغاثة في وجه منظومة كاملة، فالمسؤولية هنا تتوزع بين «المشرع» الذي يحتاج لتغليظ العقوبات، و"المنفذ» الذي يجب أن يضرب بيد من حديد، و"المؤسسات التربوية» التي ينبغي أن تبني حصوناً من الوعي، ووصولاً إلى «الفرد» الذي يجب أن يدرك أن صمته عن مروج أو متستر هو مساهمة غير مباشرة في الجريمة القادمة.
إن الخروج من زاوية «السندان والمطرقة» يتطلب إرادة حقيقية لكسر حلقة الضياع، ولن يتوقف نزيف الدماء ما لم تتحول الرقابة من «رد فعل» بعد وقوع الكارثة إلى «نهج استباقي» يحمي العقول قبل الأجساد، كما إن إنقاذ المجتمع من غول الإدمان ليس معركة أمنية فحسب، بل هي ملحمة وعي شاملة، تبدأ من البيت وتنتهي بصرامة القانون، لضمان ألا يذهب دم بريء ضحيةً لإهمالٍ غلفناه بعباءة الصمت.