لقد تسللت الخوارزميات إلى أدق تفاصيل بيوتنا، حتى كدنا نفقد ذلك "الدفء البشري" الذي كان يسكن حاراتنا. تحولت "اللمة" الصادقة إلى "إشعارات" باردة، وصار "الواتساب" بديلاً بائساً عن صلة الرحم. نعم، منحتنا الرقمنة سرعة الضوء، لكنها في المقابل سرقت منا "بركة الوقت"، وحولت مشاعرنا الصادقة إلى مجرد "رموز" صماء لا نبض فيها. لقد سكنّا مدناً ذكية، لكننا بتنا نعيش في غرفٍ منعزلة بقلوبٍ تشكو العزلة.
إن السعي الحقيقي الذي نحتاجه اليوم ليس الجري خلف آخر إصدارات التكنولوجيا، بل هو "سعيُ الاسترداد"؛ استرداد هويتنا من براثن الشاشات. إن الحداثة التي لا تحترم الجذور هي حداثة عرجاء. وما نعتبره "عادات قديمة" ليس مجرد حنين للماضي، بل هو "صمام الأمان" الأخلاقي الوحيد الذي يحمينا من التنميط الرقمي العالمي.
إنني أدعوكم، لنكون "ثواراً" في وعينا. المحافظة على أصالتنا هي أسمى درجات الرقي؛ بأن نغلق الشاشات لنفتح حواراً حقيقياً، وبأن تكون أرجلنا هي التي تسعى للمباركة والمواساة لا أصابعنا. علينا أن نروض هذه التكنولوجيا لتكون خادمة لقيمنا، لا سيدةً على مصائرنا.
إن الوطن لا يُبنى بـ "اللايكات"، بل بسواعد الرجال ووفاء النساء وبـ "القيم" التي لا تقبل القسمة على عالم افتراضي. السعي يبدأ الآن؛ بأن نعيد للكلمة هيبتها وللحضور الجسدي قدسيته. لنثبت للعالم أن الإنسان الأردني قادر على اعتلاء قمة التطور دون أن يخلع عباءة كبريائه وأصالته.
إنه النداء الأخير لاستعادة "الروح" قبل أن تبتلعنا الآلة.. فهل نحن مستعدون للسعي؟