للكيّ في ذاكرتي وقع مؤلم،فهو يرتبط بما شهدته طفلاً أكثر من مرة في ديوان جدي،إذ كان يحضر أحد ممتهني هذه الحرفة ليقوم بكي الحاضرين كلاً بعلته،ومن لم تكن لديه علة فمن باب «من يحضر السوق يتسوق»،وإن اختلفت مواضع هذا الكي،فإن الألم واحد ورائحة الشواء واحدة،لذلك كان الكي مصدر رعب لي خشية أن اضطر إليه ذات يوم.لكن الكي لم يكن ابن تلك الفترة فقط،بل إن جذوره ضاربة في التاريخ،خاصة في منطقتنا العربية،وقد وصفه بعض الأطباء المسلمين وغيرهم لعلاج السرطان كما ذكرنا سابقاً.لكن الكي الذي بصدد الحديث عنه يختلف شكلاً ومضموناً عن الكي القديم.فقد دعيت في عام 1999من قبل المعهد القومي للأورام في القاهرة لحضور ورشة علمية حول علاج غير تقليدي للأورام،وقد تضمن البرنامج عملية كي لأورام الكبد،قام بها طبيب ايطالي ضيف مشارك،وتم بثها مباشرة إلى قاعة المحاضرات.تلك كانت أول مرة أسمع فيها عن هذه العملية،وفعلاً قام الطبيب بعد تخدير المريض تقديراً عاماً،وبفضل الرؤية الدقيقة التي وفّرها له جهاز الأمواج فوق الصوتية «التراساوند» بإدخال إبر دقيقة متصلة من طرفها الثاني بجهاز يصدر أمواجاً راديوية موجهة إلى مكان الورم،وبعد تشغيل الجهاز بدأنا نشهد تحلل الورم أمام أعيننا.وفور الانتهاء من إجراء العملية قام الطبيب بشرح مبادئ عمل هذا الجهاز،وكيفية استخدامه في قتل الخلايا السرطانية،إذ يتم وضع مسبار الأمواج الراديوية الشبيه بالإبرة داخل الورم،وتقوم هذه الأمواج النافذة برفع درجة الحرارة داخل أنسجة الورم،مما يودي إلى موت الخلايا وتدمير الورم.ويمكن استخدام هذه الطريقة في علاج أورام الكبد الصغيرة التي لا يتجاوز قطرها ثلاثة سنتيمترات،سواء نشأت داخل الكبد «أورام أولية»،أو انتقلت إليه من مكان آخر «نقيلات». لقد بدأ تجريب هذه الطريقة ابتداء في علاج أورام الكبد التي لا يمكن استئصالها جراحياً،لكن استخداماتها توسعت فيما بعد لتشمل علاج أورام الرئة،والكلية والعظم،فضلاً عن أجزاء أخرى من الجسم بشكل أقل شيوعاً.
بعد عام من الورشة قمت بزيارة هذا الطبيب الإيطالي في مكان عمله في مدينة صغيرة وجميلة قرب ميلان ومشاهدته وهو يجري العشرات من عمليات الكي لمرضى مصابين بأورام الكبد،قدموا إليه من مختلف دول أوروبا،فهذا النوع من السرطان شائع جداً في نوعين من البلدان،تلك التي تنتشر فيها عادة الإدمان على الكحول،والأخرى التي تعد موبوءة بالتهاب الكبد الفيروسي من النوعين BوC.كما شاهدت النتائج الطيبة لهذه الطريقة في علاج المرضى الذين كانوا يتابعون لديه بصورة دورية،وكانت النتائج واعدة جداً،إذ أعطت بصيص أمل لمرضى كان مصيرهم الموت خلال أشهر قليلة.لقد قمنا بإدخال هذه التقنية إلى مركز الحسين للسرطان في مطلع الألفية،وأذكر أن أول من خضع لهذه العملية زوجة صديق لي كانت في منتصف الثلاثينات من العمر،وكانت تعاني من سرطان الثدي الذي تمت معالجته حسب البروتوكولات المعتمدة.لكن وبعد مضي سنوات وخلال فحص التصوير الطبقي الروتيني اكتشفت أن لديها ورماً وحيداً في الكبد،بينما خلا باقي جسمها من السرطان،فقمنا باقتراح عمل هذه العملية على المريضة التي وافقت على إجرائها،وهذا ما حصل،واليوم وبعد حوالي عقدين منذ ذلك التاريخ مازالت السيدة على قيد الحياة وتمارس حياتها بشكل طبيعي.
لقد تطورت هذه الطريقة في علم الأورام خلال العقدين الماضيين،وتحولت إلى علم قائم بذاته،يتكامل مع بقية علوم السرطان الأخرى،وأصبحت هناك برامج تدريبية خاصة تؤهل الأطباء لإجراء هذه التداخلات العلاجية.